بعد الثمانينات: جيل الإنترنت يعود إلى التسعينيات؟

الرئيسية » حياة وتكنولوجيا » بعد الثمانينات: جيل الإنترنت يعود إلى التسعينيات؟

لم تعد النوستالجيا تحتاج إلى ذاكرة شخصية. يكفي أن تمنح الخوارزميات جيلًا جديدًا صورة جذابة عن زمن لم يعشه حتى يبدأ في الحنين إليه. هكذا وبعد موجة الثمانينات، عادت التسعينيات إلى واجهة المحتوى الرقمي، لا بوصفها عقدًا مضى وانتهى، وإنما باعتبارها عالمًا بصريًا وثقافيًا يعاد اكتشافه عبر منصات التواصل الاجتماعي. أغنيات قديمة، أجهزة كاسيت، هواتف ضخمة، ألعاب فيديو، ملابس فضفاضة، إعلانات تلفزيونية وصور منخفضة الجودة، كلها تحولت إلى مواد تستعيدها أجيال نشأت أصلًا في عصر الهاتف الذكي.

المفارقة أن كثيرًا من الذين يشاركون في موجة الحنين إلى التسعينيات لم يكونوا قد ولدوا بعد، أو كانوا أطفالًا لا يملكون ذكريات واضحة عن تلك المرحلة. ومع ذلك، يتعاملون معها كما لو أنهم يستعيدون زمنًا شخصيًا. وهذا ما يجعل الظاهرة مختلفة عن النوستالجيا التقليدية التي تقوم على استدعاء الفرد لتجارب عاشها فعلًا.

إنه حنين إلى ماضٍ متخيل، أو إلى صورة صنعتها الثقافة الشعبية وأعادت المنصات الرقمية ترتيبها بطريقة تمنحه جاذبية جديدة.

في هذا الماضي المتخيل تبدو الحياة أبطأ وأكثر بساطة. لم يكن الهاتف حاضرًا في كل لحظة، ولم تكن الصورة تحتاج إلى أن تُنشر فور التقاطها، وكانت الموسيقى مرتبطة بألبوم أو شريط، واللقاء بين الأصدقاء يحتاج إلى موعد أو مصادفة، لا إلى موقع جغرافي وتطبيق للمراسلة. وبقدر ما تبدو هذه الصورة مبسطة للماضي، فإنها تعكس في الوقت نفسه شعورًا حقيقيًا لدى جيل يعيش تحت ضغط الاتصال الدائم.

لذلك فإن العودة إلى التسعينيات قد تكون أقل ارتباطًا بالعقد نفسه وأكثر ارتباطًا بالتعب من الحاضر.

فالجيل الرقمي يعيش في عالم لا تنقطع فيه الأخبار والتنبيهات والمقارنات والصور. كل شيء قابل للتوثيق، وكل لحظة يمكن أن تتحول إلى محتوى، وكل شخص يستطيع أن يقارن حياته بحياة آلاف الآخرين خلال دقائق. في مقابل ذلك، تقدم التسعينيات في المخيال الرقمي صورة لعالم لا يزال يملك مساحة من الغموض والبطء والخصوصية.

وتلعب الخوارزميات دورًا أساسيًا في تحويل هذا الشعور إلى اتجاه ثقافي. يكفي أن يتفاعل المستخدم مع عدد محدود من المقاطع القديمة حتى تبدأ المنصة في تقديم المزيد منها، فتبدو ظاهرة التسعينيات أوسع وأكثر حضورًا. وهكذا لا تكتفي المنصات بعكس الذوق العام، وإنما تشارك في صناعته أيضًا.

وما كان في البداية مقطعًا موسيقيًا قديمًا يمكن أن يتحول إلى نمط كامل: أغنية تعود إلى قوائم الاستماع، ثم ملابس مستوحاة من الفنانين في تلك المرحلة، ثم صور بتقنيات تحاكي كاميرات قديمة، ثم مقاهٍ وديكورات تعتمد الأشرطة والأجهزة القديمة، وصولًا إلى منتجات تجارية تستثمر في الرغبة الجديدة في امتلاك شيء يبدو وكأنه جاء من الماضي.

وهنا يظهر اقتصاد النوستالجيا. فالماضي لم يعد مجرد مادة ثقافية، بل أصبح سوقًا. الشركات تعرف أن استعادة شكل قديم لمنتج أو أغنية أو تصميم يمكن أن تمنحه حياة جديدة لدى جمهور لم يكن موجودًا عندما ظهر للمرة الأولى. والمنتج القديم لا يباع باعتباره قديمًا فقط، وإنما باعتباره مختلفًا عن عالم المنتجات المتشابهة التي تنتجها التكنولوجيا الحديثة.

حتى الصورة نفسها دخلت في هذا الاقتصاد. فقد أصبحت الصور التي تبدو أقل جودة وأكثر عفوية جذابة لجيل اعتاد الكاميرات فائقة الدقة. وما كان يعتبر في السابق عيبًا تقنيًا، مثل الحبيبات أو الإضاءة غير المثالية أو اهتزاز الصورة، أصبح جزءًا من الجماليات الجديدة.

لكن الحنين إلى التسعينيات لا يعني بالضرورة الرغبة في العودة إليها فعلًا. فالشاب الذي يستمع إلى أغنية قديمة على منصة رقمية لا يريد بالضرورة التخلي عن هاتفه الذكي، ولا العودة إلى عصر لا توجد فيه خدمات الإنترنت أو التطبيقات. إنه ينتقي من الماضي ما يحتاج إليه ويعيد إدخاله في حياته الحديثة.

وهذا ما يجعل الظاهرة أقرب إلى إعادة تركيب الماضي منها إلى استعادته. الجيل الجديد يأخذ عناصر معينة من التسعينيات، يجردها من مشكلاتها التاريخية والاجتماعية، ثم يضعها داخل عالم رقمي حديث.

وربما تكمن أهمية الظاهرة في أنها تكشف عن علاقة الجيل الجديد بالزمن نفسه. فبعد أن كانت الثقافة الحديثة تقوم على فكرة أن المستقبل أفضل من الماضي، يبدو أن المستقبل لم يعد يحمل الجاذبية نفسها. التكنولوجيا قدمت سرعة واتصالًا غير مسبوقين، لكنها لم تقدم بالضرورة شعورًا أكبر بالراحة أو الاستقرار.

من هنا يصبح الماضي مادة للمقارنة. ليس لأنه كان أفضل فعلًا، وإنما لأنه يبدو أفضل من خلال شاشة الهاتف.

واللافت أن هذه النوستالجيا قد تتوسع إلى عقود أخرى. فإذا كانت التسعينيات اليوم مادة للحنين لدى جيل لم يعشها، فإن العقد الأول من الألفية قد يصبح غدًا الموضوع نفسه لجيل آخر. فالمنصات لا تحفظ الماضي فقط؛ إنها تعيد تدويره باستمرار، وتمنح كل جيل فرصة لاكتشاف زمن لم يكن حاضرًا فيه.

وفي النهاية، ربما لا يكون السؤال الحقيقي: لماذا يحن جيل الإنترنت إلى التسعينيات؟ بل لماذا يحتاج هذا الجيل إلى أن يتخيل ماضيًا أكثر بساطة؟

الإجابة قد تكون في الحاضر نفسه. كلما أصبحت الحياة أكثر سرعة واتصالًا، ازدادت قيمة الأشياء التي تذكرنا بزمن كان يسمح للإنسان بأن يفوّت مكالمة، أو ينتظر أغنية، أو يلتقط صورة لا يستطيع حذفها وإعادة تصويرها عشرين مرة.

وهكذا لا تعود التسعينيات مجرد عقد من الماضي، وإنما تتحول إلى رمز لحياة يتخيلها جيل الإنترنت أقل ازدحامًا وأكثر إنسانية.

صحيفة العرب

شارك:

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *