فواصل الجمان...محمد غريط يؤرخ لوقته

الرئيسية » إعلام وتكنولوجيا » فواصل الجمان…محمد غريط يؤرخ لوقته


فواصل الجمان...محمد غريط يؤرخ لوقته

صدر مؤخرا كتاب نفيس للأديب المغربي العالم محمد غريط(1881-1945) تحت عنوان”فواصل الجمان في أنباء وزراء وكتاب الزمان”، بتحقيق كل من الدكتور عبد القادر سعود والدكتور عبد المجيد خيالي. وهو كتاب هام من حيث إنه يلقي ضوءا على جوانب خفية من تاريخ المغرب خلال نهايات القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين، من خلال ترجمات لبعض الشخصيات التي تعرف عليها المؤلف أو احتك بها، وكان لها إسهام في الحياة الفكرية والدينية والسياسية بالمغرب، لكن الشخصية الأهم التي يلقي عليها الكتاب الضوء هي شخصية مؤلفه نفسه، فهو يجلي المظهر الأدبي الباهر لمحمد غريط من خلال الأسلوب الذي كتب به الكتاب، والمتمثل على الأخص في اللجوء إلى السجع والبديع والمحسنات البلاغية والبديعية والاستشهاد بالشعر المغربي والعربي، لذا فإن الكتاب هو تحفة فنية إلى جانب كونه وثيقة تاريخية.

وفي الإهداء، الذي استهل به المؤلف كتابه، يكشف الهدف من تأليفه، فهو كتاب أدب وأفكار وأخبار في وقت واحد. يقول المؤلف:”حمدا لمن جعل الأدب حلية تعريف، وحلة تشريف، كما جعل التاريخ للأفكار سلطانا، ولدرر الأخبار صوانا، وصلاة وسلاما على من أمده الله بتوفيقه وحكمته، وأيده على تهذيب أمته، ومد من هدايته سببا لنيل رحمته، وعلى ءاله وصحابته وتابعيه وقرابته”.

ويقول المحققان في مقدمة الكتاب إن الأمر يتعلق بالنسخة الأولى للكتاب التي قدمها المؤلف بخط يده إلى نقيب الأشراف الشيخ عبد الرحمان بن زيدان ـ المؤرخ المعروف ـ حيث كتب المؤلف في الإهداء أن النسخة المطبوعة من الكتاب وقع فيها زيادة ونقص عن هذه النسخة.

ومؤلف الكتاب هو أبو عبد الله محمد بن المفضل بن محمد غريط، من بيت آل غريط الذي يعد من البيوتات الأندلسية الشهيرة. ولد عام 1881 بفاس، ودفعه أبوه الصدر الأعظم الشاعر إلى حفظ القرآن ومجالس علماء القرويين بعد ذلك، حيث عكف على قراءة كتب الأدب الأندلسي وما فيها من شعر ونثر، مما جعله يكتب الشعر في سن مبكرة، فذاع إسمه في المحافل الأدبية.

أخذ العلم عن مجموعة من العلماء منهم والده الصدر الأعظم، والشيخ العباس بن أحمد التازي، والشيخ الكامل بن محمد الأمراني، والشيخ عبد السلام بن محمد الهواري، والشيخ محمد بن محمد كنون، والشيخ القادري وغيرهم. وتقلد في حياته مناصب عدة حيث عين مستشارا للخليفة السلطاني بفاس، ثم وزيرا للخليفة مولاي علي ثم كاتبا للمولى المامون، وتوفي عام 1945 ودفن بالقباب.

وقد ترك محمد غريط عدة كتب منها: “أدب المجالس”، وهو نظم تكلم فيه عن تاريخ الأندلس وهو في حوالي ستمائة بيت. و”الرخيص والثمين واليسار واليمين” وهو ديوان جمع فيه الشعر الذي كتبه في حياته ويقع في مجلدين. و”الصادح المغرب في أمداح قطب المغرب”، مدح فيه الموالى ادريس بن ادريس ويضم نحو مائتي بيت شعر.

ويظهر أن المؤلف كان يريد من وراء كتابه تقديم خدمة للتاريخ في المغرب، بعدما لاحظ الإهمال الذي طاله، إذ يقول في بداية الكتاب:”فإن من المعلوم أن لكل زمان رجالا عمرت بهم أندية الأدب، وازدهرت بهم وجوه الرتب، فكانوا لآذانها شنفا، ولأنوفها شمما، ولثغورها شنبا، ولترائبها درا منظما، ولعصرهم ذكرى ممن أعمل قلما أو فكرا. وإن فن التاريخ مما لا يحتاج إلى دليل على ما له من النفع الجليل، إذ به يعلم الآخر ما للأول من المفاخر، ويرى أدوار الأكوان وأطوار الأزمان، بيد أنه قل في هذا القطر طالبه، واقصر مادحه لما استطال عائبه، حتى كاد يعد من القصص المكذوبة، والأسانيد المقلوبة، فكم من حادث وقع بالأمس فنسي بالغد، ثم ما تذكر ولا في السمع تجدد، مع أن من مضوا من أهل هذا العلم العزيز، الفائزين بالسبق والتبريز، كانوا يعقلون شوارده ونوادره، ويقيدون كل حادثة حاضرة ليتعرف الآتي أخبارهم ويسلك في محاسن الآداب آثارهم”.

ورغم ما يفهم من عنوان الكتاب”فواصل الجمان في أنباء وزراء وكتاب الزمان” فإن المؤلف يركز في أخبار هؤلاء الوزراء والكتاب على الجوانب الأدبية والنوادر لديهم، وليس على سياستهم إلا ما كان عرضا، فهو نفسه يقول”ولذلك سلكت سبيل الاختصار، وأتيت بما لبعضهم من مستحسن النظام والنثار، مع ما اقتضى التناسب ذكره من نادرة أدبية وواقعة عصرية”.

ومن الذين ترجم لهم المؤلف الكاتب الوزير أبو عبد الله محمد بن محمد أكنسوس، والكاتب الوزير أبو عبد الله محمد بن ادريس العمراوي، والكاتب ال
وزير أبو عبد الله محمد بن عبد الله الصفار التطواني، والكاتب الوزير أبو محمد عبد الكريم ابن سليمان، هذا في قسم الوزراء الذي ختمه بفصل “عن تنازل مولاي عبد الحفيظ عن الملك ومبايعة أمير المؤمنين مولانا يوسف نصره الله”، أما من ترجم لهم من الأدباء الكتاب فهم كثيرون منهم القاضي أبو محمد عبد الواحد بن المواز، وأبو العباس أحمد بن محمد الكردودي، وأبو المكارم العربي المنيعي، والعدل الخطيب مولاي أحمد البلغيثي. 

 ادريس الكنبوري

شارك:

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *