زيغلر يفضح «إرهاب» الديون في «إمبراطورية العار»

الرئيسية » إعلام وتكنولوجيا » زيغلر يفضح «إرهاب» الديون في «إمبراطورية العار»

زيغلر يفضح «إرهاب» الديون في «إمبراطورية العار»

مائة مليون شخص في العالم يلقون حتفهم يومياً بسبب الجوع، بينما يموت طفل واحد بين كل عشرة أطفال كل خمس دقائق بسبب الجوع وسوء التغذية، هذا في الوقت الذي يقول فيه العلماء بأن النشاط الزراعي في العالم يستطيع أن يوفر الغذاء لاثني عشر مليار نسمة فوق الكوكب، أي ضعف عدد سكان العالم حالياً. هذا هو عنوان العار لدى العالم السويسري والمقرر الخاص لبرنامج الغذاء في الأمم المتحدة (جان زيغلر) في كتابه الأخير (إمبراطورية العار)، والذي أثار ضجة عالمية بعد الضجة التي أثارها كتابه السابق (سادة العالم الجدد)، العار هو أن أماً برازيلية تضطر لطهي الحجارة لأبنائها لكي تلهيهم عن الجوع الذي يمزق بطونهم الصغيرة، وأن يضطر أب إفريقي للبحث في القمامة لإطعام أبنائه، بينما بلداهما يدفعان يومياً ملايين الدولارات كفوائد للشركات الغربية الجشعة.

يقول المؤلف: “في إمبراطورية العار التي يحكمها منطق الندرة المنظمة بشكل منهجي، فإن الحرب ليست حالة دورية، بل دائمة، إنها لا تشكل مرضاً بل تعتبر الوضع العادي، إنها لا تساوي غياب العقل، بل إنها العقل الذي تتحرك به هذه الإمبراطورية نفسها”.

يؤكد (زيغلر) أن العالم ما بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001 قد شكل فرصة استغلها المستبدون الجدد من أجل السيطرة على العالم، والاستفراد بتملك الثروات الضرورية لرفاهية سكان الكوكب وتدمير الديمقراطية، وانزلق العالم إلى حرب جديدة أكثر خطورة، هي حرب الجوع والديون، التي تغذيها رأسمالية غربية حمقاء تدمر العالم لكي تراكم الأرباح على حساب الفقراء والمحتاجين، إنها رأسمالية حفنة من الرجال. من هم؟ يجيب (زيغلر): إنهم رجال يقودون أنظمة وشركات عابرة للقارات وبنوكاً، وهو يطلق على هذا الوضع العالمي الجديد تسمية (الفيودالية الجديدة)، حيث طبقة صغيرة من الملاكين الكبار هي التي تملك العالم وتحكمه. إن هؤلاء الذين يفقرون بلدان العالم الثالث الفقيرة يمارسون “إرهاب الدولة الحقيقي بتوظيفهم للسلطة الشرعية التي يملكونها لأهداف غير شرعية” إن الدولة الإسرائيلية، وعلى رأسها أرييل شارون، تسرق بدون حياء مياه وأراضي الشعب الفلسطيني، وفلاديمير بوتين رئيس روسيا قتل حوالي 17% من الشعب الشيشاني باسم النظام الشيوعي، أما ما يقوم به جورج بوش في العراق وأفغانستان بتزكية من الشركات العالمية الكبرى فهو شيء لا يمكن وصفه”.

أرقام تفضح الإمبراطورية

يقدم (زيغلر) خطاطة بما يعتبره عنواناً عريضاً على التردي الذي يعيشه عالم اليوم بسبب جشع الشركات العالمية الكبرى التي تراكم الرساميل على حساب الشعوب الفقيرة، والأنظمة الغربية التي تعتاش من امتصاص دم الفقراء. في هذه الخطاطة نرى أن قيمة الإنفاق العالمي على السلاح يقدر بـ (780) مليار دولار سنوياً، بينما تأتي الأرقام الأخرى كالتالي:

ـ تنمية الطاقة البديلة: (50) مليار دولار

ـ إلغاء الديون على البلدان الأكثر فقرا: (30) ملياراً

ـ انجراف الأراضي: (24) ملياراً

ـ محاربة مدن الصفيح: (20) ملياراً

ـ القضاء على سوء التغذية: (19) ملياراً

ـ القضاء على الأمية: (5) مليارات

ـ القضاء على الألغام الفردية: ملياران

ـ توطين اللاجئين: (5) مليارات

كل هذه الأرقام المرتبطة بقضايا تخدم الإنسانية والسلام الدولي لا تعني شيئا أمام الرقم الضخم للإنفاق العالمي على التسلح، والذي تجاوز في العام 2004 ألف مليار دولار، 47% منها للولايات المتحدة الأمريكية وحدها.

يطلق المؤلف على هذا التوجه نحو التسلح تسمية”العنف العضوي” الكامن في منطق الرأسمالية العالمية نفسها، لأنه المبرر الوحيد لبقاء واستمرار هذه الإمبراطورية في الوجود، ويشير إلى أن ما يسمى بـ”الحرب الدولية على الإرهاب” التي تقودها حكومة الولايات المتحدة هي النموذج الكاشف لهذا العنف العضوي.

ويرى المؤلف أن القانون الدولي يحتضر اليوم بسبب سيطرة الدول الكبرى دائمة العضوية في مجلس الأمن “إن التزامي بمبادئ الأمم المتحدة التزام قوي، لكن يجب أن أقول بأن هذه المنظمة توجد في حالة سيئة، وإن وجودها مهدد، وذلك لكون مالية هذه المنظمة تنهض على دعم البلدان الغنية التي تقوم هي بنفسها بخرق مبادئها بالتعدي على الإنسانية، وقد أصبحت تقوم بتوفير الشرعية للممارسات الأمريكية مثل: تشريع التعذيب بحجة محاربة الإرهاب”.

إرهاب الديون

يقول المؤلف: “إن شعوب البلدان الفقيرة تكد يومياً في العمل لكي تمول رخاء البلدان الغنية؛ فالجنوب يمول الشمال، وبالخصوص الطبقات المهيمنة في بلدان الشمال، وأكثر وسائل السيطرة التي يمارسها الشمال ضد الجنوب اليوم هي خدمة الديون”. فخلال العام 2003 كانت قيمة المساعدات المالية التي تقدمها البلدان المصنعة للدول الفقيرة وعددها (122) دولة هي (54) مليار دولار، وفي نفس العام دفعت هذه البلدان الفقيرة لبنوك البلدان الغنية المقرضة مبلغ (436) مليار دولار كخدمة للديون، ويعلق المؤلف قائلاً: “هذا هو التعبير الحقيقي عن العنف العضوي الذي يسكن النظام العالمي الراهن، إننا لسنا محتاجين للرشاشات أو النابالم أو المدافع لإخضاع الشعوب، فالديون اليوم تؤدي هذه المهمة. إن عصر الهيمنة بواسطة الديون قد لحق عصر الهيمنة الاستعمارية بدون وجود فترة انتقالية فاصلة بين العصرين، فالعنف الذكي للديون حل محل العنف الذي كانت تقوم به السلطة الاستعمارية، وكمثال على ذلك: في بداية العام 1980 فرض صندوق النقد الدولي على البرازيل مخططاً صارما للتقويم الهيكلي، فاضطرت الحكومة إلى التقليص من النفقات العمومية بشكل كبير، وأوقفت عمل شركة وطنية للتلقيح ضد داء الحصبة، فانتشر الداء بشكل رهيب عام 1984 تحديداً، وكانت أكدت منظمة(جوبيلي 2000) المعارضة للديون في عام 2004 أنه في كل خمس دقائق يموت طفل يبلغ العشر سنوات بسبب الديون، ويشير المؤلف إلى أن سياسة الديون تخدم طرفين فقط: المؤسسات الغربية المقرضة، والطبقة المهيمنة في البلدان الفقيرة التي تتلقى الديون.

لكن إلى جانب هذا هناك “الديون المهينة”، ويسوق المؤلف دولة رواندا الإفريقية كمثال على هذا: عندما اندلعت المواجهات المسلحة بين التوتسي والهوتو ـ الأقليتين اللتين تعيشان في رواندا ـ عام 1994، كان هناك نحو (1300) من القبعات الزرق التابعين للأمم المتحدة في البلاد، وعلى الرغم من ذلك قُتل (800) ألف شخص، نساء ورجالاً وأطفالاً، خلال مائة يوم فقط من المواجهات أمام أعين رجال الأمم المتحدة المسلحين الذين كانوا شاهدين على الجريمة، ويرفعون التقارير يومياً إلى نيويورك حول المجازر، ولم تتحرك الأمم المتحدة، ولا الرئيس الفرنسي فرانسوا ميتران “لأن الطبقة التي تحكم رواندا فرانكوفونية”، وعندما انتهت الحرب ورثت الحكومة الجديدة في البلاد الديون التي خلفتها الحكومة السابقة التي كانت تمول بها سياسة التطهير العرقي، واليوم يدفع جميع الروانديين شهراً بعد آخر هذه الديون وفوائدها الباهظة للبلدان الغنية.

في البرازيل يحدث نفس الأمر ولكن بشكل مختلف، فقد كان الرئيس (لولا) أول مسؤول برازيلي يعلن أن في بلاده (44) مليون شخص في وضعية صعبة جداً من حيث الفقر وسوء التغذية والصحة والتعليم، لكنه بالمقابل ظل عاجزاً عن فعل أي شيء أمام هذا الواقع الذي اعترف به أمام الجميع؛ لأن الديون التي على بلاده تصل إلى حوالي (235) مليار دولار، وتضع قيوداً من حديد أمام أي حكومة مهما كانت طبيعتها وبرامجها.

سلاح الجوع

السلاح الثاني من أسلحة الدمار الشامل في إمبراطورية العار، كما يرى (زيغلر)، هو الجوع، النتيجة الطبيعية لسياسة الديون القاتلة “إن الجوع إذن هو السبب الرئيس للموت في كوكبنا، وهذا الجوع سببه يد الإنسان نفسه، وأي إنسان يموت من الجوع فهو يموت مقتولاً، وهذا القاتل يُسمّى الديون”. فمنظمة الزراعة والأغذية تميز بين”الجوع الطارئ” و”الجوع العضوي”، الأول يكون نتيجة انهيار في اقتصاد البلد أو في قطاع منه، أما الثاني فيكون نتيجة التخلف، لكن كلا النوعين يأتي نتيجة سياسة الديون. ويقول المؤلف: إن (62) مليون شخص، أي 1% من عدد سكان العالم، يموتون سنوياً بسبب الجوع ونقص التغذية، وفي العام 2003 مات (36) مليون شخص سواء بسبب الجوع أو بسبب الأمراض الناتجة عن نقص وسوء التغذية.

كل هذا الاضطراب العالمي وعدم التوازن بين الفقراء والأغنياء مرده سياسات اقتصادية تقودها الشركات العالمية الكبرى التي تستحوذ على ثروات العالم، وترهن مستقبل البشرية وتعمم العبودية على الجميع، فـ (500) شركة عالمية كبرى تسيطر على52% من الناتج العالمي الخام، أي من مجموع الثروات التي يجري إنتاجها في الكوكب، وجل هذه الشركات توجد في الولايات المتحدة الأمريكية.

وهنا يوجه المؤلف رسالة إلى الرأي العام العالمي، قائلاً في كتابه: إن النظام القاتل للعالم، النظام الذي يقتل كل يوم (100) ألف شخص بالجوع والأوبئة، لا يثير الإحساس بالعار لدى الضحايا فحسب، بل لدينا نحن الغربيين أيضاً، البيض، المسيطرين؛ لأننا شركاء في هذه المذبحة، واعون بها ومطلعون على أخبارها، لكننا صامتون وحقيرون وغير قادرين على الحركة”.

إدريس الكنبوري

شارك:

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *