أواصر القرابة ودوامة العنف الأسري

الرئيسية » حياة وبيئة » أواصر القرابة ودوامة العنف الأسري

أواصر القرابة ودوامة العنف الأسريأصبحت معظم الأسر المغربية تعيش تغييرات وتحولات نتيجة الكثير من الضغوطات النفسية والمعيقات الاجتماعية والاقتصادية الناجم بعضها عن نمط العيش وصعوباته ومشاكل العمل، أضحت معها حياة العديد من الأشخاص لا تخلو من شجار ومخاصمات، إن لم نقل تطاحنا وحروبا قد تنتهي بإصابات وجروح بليغة وعاهات مستديمة، أو آثار نفسية جسيمة يطول استقرارها ويصعب علاجها.

إن الأسرة التي تكثر خلافات أفرادها، غالبا ما تكون أسرة تعاني اضطرابات في أواصر قرابتها، كون أن الخلافات المستمرة، والتي في غالب الأمر ما تكون لأتفه الأسباب، تخلق نوعا من التوتر والتشنج في ارتباطات أفرادها، ليصبح العنف هو السمة المميزة لهذه العلاقات، سواء بين الزوجين، أو في علاقة هؤلاء بالأطفال/الأبناء. فباشتعال فتيل العنف تتداعى كل القيم الجميلة التي يتطلبها نجاح الأسرة، باعتبارها ملاذ وأمن الفرد، وتغيب المودة وحسن المعاملة، أساس نجاح كل علاقة زوجية وارتباط أسري، ليحل الذعر والخوف وعدم الاطمئنان بينهم.

ويعرف المختصون العنف الأسري بالتصرفات غير المرغوب فيها أو السلوك العدواني الموجه لأحد أفراد الأسرة، سواء كانت علاقة القوة متكافئة (بين الزوجين) أو غير متكافئة (الأبناء-الآباء) داخل المحيط الأسري. ويترجم هذا السلوك بالعنف المادي/الحركي المتمثل في الإيذاء الجسدي من ضرب وجرح أو قتل، أو إلحاق الضرر المعنوي/النفسي بأحد الأفراد نتيجة اللوم والكلام الجارح والتحقير والحرمان من الحاجات الضرورية، إلا أنه في بعض الحالات يجتمع الضررين معا في علاقات خلية/أسرة يفترض فيها أن تكون الأمن والملاذ للجميع.

 وتشير بعض الدراسات التي أجريت على ظاهرة العنف الأسري داخل الأوساط العربية، أن الزوجة هي الضحية رقم واحد في لائحة المعتدى عليهم، كون أن الزوج “المعتدي الأول”، ليأتي بعدها في الترتيب الأبناء باعتبارهم ضحايا سلطة الأب أو الأخ الأكبر أو العم، وأن 99 بالمائة من التعنيف يكون مصدره الأب/الزوج.

ومن أبرز مسببات العنف الأسري‏، تعاطي المعتدي للكحول أو المخدرات التي تجعله غير مدرك لتصرفاته والتي تتسم بالعدوانية وإتيان بعض السلوكيات الغير مأمونة العواقب، خاصة في حالة غياب وعيه أو حالات الهياج التي تنتاب الأب/الزوج. ومن بين الدوافع الذاتية لدى أحد الزوجين أو كلاهما، والتي تقودهما نحو العنف الأسري، تناول بعض عقاقير الهلوسة التي تجعل متعاطيها فاقدا لتوازنه في علاقته الأسرية، وغير متحكم في انفعالاته، إذ يسلك القسوة والعنف في تعامله مع الزوجة أو الأبناء، ملحقا بهم أضرارا جسدية ونفسية. وقد يكون هذا الزوج/الأب/الأخ المعتدي سبق وأن تعرض هو الآخر، في مرحلة من عمره إلى تصرفات عنيفة، عجز عن التخلص من آثارها ومسحها من ذاكرته.

وتعد صعوبة تدبير الأمور المادية في ظل غلاء المعيشة والبطالة والفقر، أو الوقوع في بعض المشاكل والمعضلات ذات الصبغة المالية/المادية، من بين الدوافع الاقتصادية المسببة للعنف. فالأب/الزوج العاطل أو ذو الدخل المحدود والذي يمر بضائقة مالية، يعيش وضعا متأزما يجعله يفرغ ما في جعبته من غضب وحنق في الزوجة والأبناء، لتقوم الزوجة هي الأخرى، فيما بعد، بنهج نفس السلوك اتجاه أبنائها، وبالتالي تشتد دوامة العنف عند الوصول إلى الحلقة الأضعف داخل الكيان الأسري. وإضافة إلى هذين العاملين، تأتي المعتقدات والعادات الخاطئة المستفحلة في مجتمعاتنا العربية، في التعاطي مع المسائل الأسرية، والمتمثلة في كون أن قيادة الأسرة لا تتأتى إلا للزوج، محتكمين في ذلك إلى منطق الرجولة المقترن في تصورهم بالقوة والسيادة، أو التسلط والعنف لدى بعض الأوساط الأسرية، بحيث يلجأ في إطار علاقته الزوجية وما يترتب عليها من مسؤوليات، إلى استعمال الضرب المبرح والتأنيب بالكلام الجارح والبذيء والتقصير في أداء واجباته.  أما بخصوص تربيته لأبنائه، فإن الاعتقاد الخاطئ لدى الجميع بكون أن التعنيف سواء كان جسديا أو نفسيا، سيكون له الأثر الإيجابي والفعال في تقويم سلوك الأبناء، يدفع به إلى الإساءة إليهم وتعنيفهم.

وينبه أهل الاختصاص، إلى أن الأشخاص الذين تعرضوا للعنف، وخاصة الأطفال، غالبا ما يكون لديهم استعداد نفسي لممارسة العنف ضد أنفسهم، أو ضد الآخرين. وقد يدخلون في عزلة عن المجتمع، وتسوء مهاراتهم الاجتماعية والذهنية والنفسية، فيتدهور مستواهم الدراسي، ويتدنى ذكاؤهم، ويفقدون الثقة في أنفسهم وفي الآخرين، وإن تطور الوضع ولم يعالج، فنوبات الخوف المستمرة والانتحار والاكتئاب أو الهروب من المنزل والانحراف السلوكي، تكون من أكثر الآثار السلبية على نفسيته.

أما بخصوص الزوجة/الأم المعنفة، فإن الآثار النفسية لما تتعرض له من ضرر وإيذاء، يجعل منها مخلوقا يعيش التهميش ويفقد الثقة في نفسه، ويميل للاستكانة والخضوع، وقد تعاني اضطرابات وأمراض نفسية، وعجزا عن تربية الأبناء بشكل سليم، أو تنقلب إلى شخص عنيف يُصرِّف ما تعرض له من إهانة واحتقار وسوء معاملة، ولن تجد أمامها إلا الأبناء، لتصب عليهم جم غضبها وإحساسها بالقهر/الظلم، الوضع الذي يهدد الارتباط الحميمي للأسرة ويساعد في تفشي حالات الطلاق وارتفاع حالات العنف.

وللخروج من دوامة العنف التي تعيشها الأسرة، يوصي أهل الاختصاص من علماء تربية وأطباء نفسانيين، بالتخفيف من الضغوطات التي تقع على مسؤولية الفرد داخل الأسرة والتي تتسبب في كثرة الخلافات، العمل على التقليل من البطالة وارتفاع مؤشر الفقر، التفعيل لنصوص القانون المجرمة لمثل هذه السلوكات العنيفة، نشر الوعي لدى الجميع بعواقب العنف، ومساعدتهم في تجنب الوقوع في تصرفات عنيفة وكيفية التحكم في دفعاتهم العنيفة، وتطوير الثقة بالنفس لدى الطفل المعنف، ومحاولة إبعاده عن جو العنف وعن الشخص الذي مارس عليه العنف.

فاطمة الزهراء الحاتمي

شارك:

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *