العزلة الاجتماعية تحدّ صحي في عصر الاتصال المفرط

الرئيسية » حياة وتكنولوجيا » العزلة الاجتماعية تحدّ صحي في عصر الاتصال المفرط

مع تدفق المعلومات عبر الشاشات، وتواصل الأصوات عبر الفضاء الرقمي دون حواجز زمنية أو مكانية، تطفو على سطح هذا المحيط اللامتناهي من الاتصال مفارقة مقلقة: ازدياد عمق العزلة الإنسانية واتساعها. لم تعد الوحدة مجرد شعور عابر أو حالة فردية، بل تحولت إلى ما يشبه “الجائحة الصامتة” التي تخترق مجتمعاتنا بالرغم من -أو ربما بسبب- تكنولوجيا التواصل التي من المفترض أن تقرب البعيد. فهي لم تعد قضية نفسية فحسب، بل أصبحت قضية صحية عامة بامتياز، حيث تضع منظمة الصحة العالمية الوحدة على خارطة التهديدات العالمية، مساويةً تأثيرها الصحي السلبي لتدخين 15 سيجارة يوميا.

تتجاوز هذه الآثار النطاق النفسي لتغوص في الفسيولوجيا البشرية، إذ ترفع العزلة المزمنة مستويات هرمونات التوتر مثل الكورتيزول، ما يؤدي إلى التهاب مزمن يهيئ الجسم لأمراض القلب والأوعية الدموية، ويضعف المناعة، ويسرع التدهور المعرفي، ويقصر العمر الافتراضي. إنها وباء يضرب في صمت، تظهر أعراضه في صورة أمراض جسدية بينما جذوره ممتدة في تربة النسيج الاجتماعي المتآكل.

تكمن المفارقة الكبرى في أن هذا الوباء يتفاقم في عصر الوسائط الاجتماعية والتواصل الفوري. فالمتصفح قد يجمع آلاف “الأصدقاء” ويقضي ساعات في التفاعل الرقمي، بينما يفتقد إلى محادثة عميقة وجهًا لوجه، أو إلى وجود شخص يشاركه وجبته في صمت دافئ. لقد حولت المنصات الرقمية مفهوم “الصداقة” إلى سلعة قابلة للعد والمقارنة، وحولت “الاتصال” إلى سلسلة من ردود الفعل السريعة (الإعجاب، المشاركة)، ما أدى إلى “اتصال واسع ولكنه ضحل”، يشبه بحرا واسعا لا يتجاوز عمقه بضعة سنتيمترات. هذا النمط من التفاعل يخلق وهم الانتماء مع استنزاف الطاقة العاطفية، ويغذي مشاعر القلق الاجتماعي والمقارنة التي تعمق الإحساس بالعزلة.

غير أن تحميل التكنولوجيا وحدها مسؤولية هذه الأزمة يعد تبسيطاً مخلًا. فهناك عوامل هيكلية أعمق تغذي هذه الجائحة: تحول نمط الحياة في المدن الكبرى إلى جزر منعزلة داخل شقق متجاورة، وتراجع دور المؤسسات التقليدية التي كانت تشكل النواة الاجتماعية (كالأسرة الممتدة، والنوادي المدنية، والجمعيات الدينية)، وسيولة العلاقات في مجتمع استهلاكي فرداني يضع تحقيق الذات فوق التضامن الجماعي. حتى بيئات العمل الحديثة، مع تركيزها على المرونة والأداء الفردي، تساهم في تفكيك الروابط العضوية بين الزملاء، لتحل محلها شبكات مهنية مؤقتة.

في مواجهة هذا التحدي المعقد، تظهر مبادرات تستشرف مستقبلاً أكثر اتصالاً حقيقيا. في سنغافورة، أطلقت الحكومة “مكتب مكافحة الوحدة” لتصميم سياسات عامة تعيد ربط المجتمع. في المملكة المتحدة، عُينت أول “وزيرة للوحدة” في العالم، ما رفع القضية إلى مستوى صنع القرار الوطني. على المستوى التكنولوجي، هناك اتجاه ناشئ نحو تصميم منصات رقمية “مضادة” تعزز التفاعلات الحميمية والهادفة بدلاً من الإعجابات السريعة، أو تشجع على اللقاءات الواقعية. كما تظهر في المدن العالمية حركات لاستعادة الفضاءات العامة كحدائق مجتمعية، ومكتبات شارع، ومقاهٍ بلا اتصال بالإنترنت، كحصن في وجه العزلة الحضرية.

إن التصدي لـ”جائحة الوحدة” يتطلب اعترافا جماعيا بأن الصحة ليست مجرد غياب للمرض الجسدي، بل هي “توازن بين الرفاه الجسدي والنفسي والاجتماعي”. هذا يتطلب: تدريب العاملين في الرعاية الصحية الأولية على كشف علامات العزلة كجزء من الفحص الروتيني. وتصميم مدن تشجع المشي، واللقاءات العفوية، وتوفير مساحات عامة آمنة وجاذبة للتفاعل المجتمعي. وتعليم الأفراد، وخاصة الشباب، مهارات استخدام التكنولوجيا كأداة لتعزيز العلاقات الواقعية وليس كبديل عنها. وأخيرا، إعادة تعريف النجاح في مكان العمل ليشمل تعزيز البيئات الداعمة والعلاقات الصحية بين الموظفين.

الوحدة هي السعر الخفي الذي ندفعه مقابل فردانية عصرنا ورقمنة علاقاتنا. إنها تحدٍّ صحي عام لا يقاس بعدد المصابين، بل بشدة المعاناة الخفية. مواجهتها ليست ترفا نفسيا، بل استثمار أساسي في رأس مالنا الاجتماعي وصحتنا الجمعية. إن بناء مجتمعات أكثر ترابطا لا يعني العودة إلى الماضي، بل يعني هندسة مستقبل نستخدم فيه أدوات الاتصال الحديثة لنسج روابط إنسانية أعمق وأكثر صدقا، حيث لا يضيع الفرد في زحام الوجود الرقمي، بل يجد صدى لوجوده في عين الآخر وقلبه. في هذا المجال، قد يكون الشفاء من وباء الوحدة هو أحد أعظم إنجازاتنا الإنسانية في القرن الحادي والعشرين.

صحيفة العرب

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *