بعد السبت الأسود

الرئيسية » حياة وبيئة » بعد السبت الأسود

لاشك أن أحداث يوم السبت الماضي المؤسفة التي أعقبت لقاء فريقي الوداد ولجيش برسم الدورة الـ25 من البطولة الاحترافية للقسم الوطني الأول لكرة القدم، تستدعي أكبر من وقفة على أسباب وكامن الخلل التي جعلت شبابا يذهبون إلى الملاعب ليس بروح رياضية ولكن بروح انتقامية، فمن المسؤول عن تزايد أعمال الشغب بملاعبنا الرياضية؟

السبت الأسود

 أحداث مؤسفة عرفها مركب محمد الخامس يوم السبت الماضي

من المسؤول عن تزايد أعمال الشغب بملاعبنا الرياضة رغم وجود قانون يتصدى لذلك؟

كم هو مؤسف حقا أن يتحول عرس رياضي إلى ما يشبه المأثم عندما تنتهي مباراة كرة قدم جمعت بين فريقين عريقين هما الوداد الرياضي البيضاوي والجيش الملكي الرباطي، بتفوق الأول على الثاني..وكم هو محزن أمر هذا الشباب الذي أجج الأجواء وحوّل مدرجات مركب محمد الخامس الرياضي، يوم السبت الماضي، إلى ما يشبه حلبة الملاكمة لم يستثن فيها الرجل الكهل الطاعن في السن ولا الطفل الغض، بل ولم تسلم منها حتى عناصر الأمن التي تحضر في مثل هذه اللقاءات الرياضية للسهر على أمن وراحة المتفرجين، حيث انهال بعض شباب طائش، استعمل الحجارة والمقاعد التي تم انتزاعها من أماكنها، ورشق أفراد الأمن ومتفرجي الفريق الخصم، فكانت النتيجة إصابة قاتلة لشاب في مقتبل العمر أودت بحياته بعد حين، بالإضافة إلى العديد من الإصابات الأخرى التي لم تستثن الجمهور ولا عناصر الأمن.

أحداث الدار البيضاء ليوم السبت الماضي، التي جعلت البعض يصفه هذا اليوم بـ”السبت الأسود”، وكذلك كان خاصة عندما لفظ الشاب حمزة أنفاسه الأخيرة قبل أن يعود إلى أهله وذويه، وذنبه الوحيد أنه معجب ومتيم بهذه المستديرة على غرار أقرانه في هذا الزمن الذي أصبح للكرة شأن لا مفر من التعامل معه بما يلزم من تسلح تربوي وتوعوي.

ويبدو أن أحداث الشغب التي تفاقمت في الأيام الأخيرة ببلادنا في الملاعب الرياضية، حيث قبل أن تشهدها العاصمة الاقتصادية، نهاية الأسبوع الماضي، عانت أيضا كل من مدينتي مكناس والقنيطرة من أحداث مؤسفة تراشق فيها الجمهور المتبارية فرقهم بالحجارة والكراسي وأشياء أخرى، تعكس (هذه الأحداث) حالة نفسية لدى فئة من الشباب تطرح معها العديد من الأسئلة، التي على كل مكونات المجتمع الاستجابة لها، والبحث عن السبل القمينة من أجل التوصل إلى معالجتها حتى لا تصبح ظاهرة يصعب على المسؤولين والأسر تطويقها.

ولا ريب أن مثل هذه الأحداث تطرح على كل مكونات مجتمعنا، سواء تعلق الأمر بالجهات الرسمية وخاصة منها الأمنية، أو أولياء الأمور والأسر، أو في ما يخص باقي مكونات المجتمع المدنية ولاسيما منها وداديات وجمعيات الجماهير الرياضية، أو فيما يتعلق بالمؤسسات التعليمية والإعلامية، تطرح على كل هؤلاء المزيد من التحديات والأسئلة التي تبحث لها عن أجوبة.

ويبدو أن تقاعس أو غياب دور بعض الجهات في أداء ما هو مناط به من مسؤوليات، سواء في تأطير وتوعية فئات الشباب، أو فيما يخص السهر على مراقبته وخاصة في مثل هذه التجمعات الرياضية، لهو من الأسباب الكامنة وراء إتاحة المجال لفئة عريضة من الشباب المشاغبين ليعيثوا في البلاد والعباد فسادا، كلما اجتمعت حشود مواطنين للترفيه عن نفسهم أكان ذلك بمناسبة فنية أو رياضية.

هاهنا تستوقفنا أخبار مؤسفة نقلتها صحف وطنية تتحدث عن أن مندسين مشاغبين لهم خلفيات غير رياضية، وعُرفوا بشغبهم وخروجهم عن السرب في الشوارع أثناء تنظيم مظاهرات اجتماعية، وهو ما ينبغي على الجهات الأمنية وباقي الجهات المسؤولة، التعامل معه بيقظة وحزم كفيلين بردع مثل هؤلاء العابثين بأمن البلاد والمقلقين لراحة المواطنين.

وعلى الرغم من المسؤولين على المجال الرياضي فطنوا منذ مدة إلى مثله هذه الأحداث المؤسفة، وسارعوا إلى وضع قانون لمكافحة الشغب في الملاعب الذي يمنع على الخصوص القاصرين (أقل من 16 سنة) من دخول الملعب، أحداث الشغب تزايدت في الآونة الأخيرة بشكل ملفت، وأدت إلى تزايد أجواء عدم اطمئنان المواطنين وتخوفهم على أملاكهم وأمهنم، ولاسيما منهم القاطنون بالقرب من المركبات والملاعب الرياضية، وهو ما يدعو إلى مزيد من تحمل المسؤوليات في سبيل إيجاد الحلول؛ لأن ذلك وحده الكفيل بعدم تكرار ما شهدته المباراة التي جمعت السبت الماضي بمركب محمد الخامس بالدار البيضاء بين فريقي الوداد البيضاوي والجيش الملكي برسم الدورة الـ25 من البطولة الاحترافية.

السؤال المطروح هنا هو لماذا حتى في ظل وجود قانون لمكافحة الشغب بالملاعب الرياضية، يتواصل تسجيل مزيد من أحداث الشغب البعيدة بكل المقاييس والتفسيرات عن روح ومضامين رسالة الرياضة القائمة على التوادد والسلم والترفع عن الأخلاق المشينة؛ إنها مسؤولية الجهات التي أوكلها أسمى قانون في البلاد وهو الدستور مسألة تنفيذ القوانين؛ بحيث ينبغي تفعيل هذا القانون على أرض الواقع، بما يكفل ردع كل من تسول له نفسه الإفساد على المواطن والمتفرج فرجته الرياضية.

إن تفعيل هذا القانون بل والبحث في سبل أخرى إذا اقتضت الضرورة، ويبدو أن واقع حال الرياضة ببلادنا يتطلب ذلك، يبقى هو الضامن الأساسي لإعادة السلم إلى ملاعبنا الرياضية ومحيطها الاجتماعي، ولا يكفي إبداء الأسف على مثل هكذا أحداث، كما عبر عن ذلك وزير الشباب والرياضة، محمد أوزين، الوزارة الوصية على القطاع، بل ينبغي الإسراع إلى التنفيذ الحرفي للقانون بما يتماشى مع الدستور الجديد، وتحمل المسؤوليات أيضا على الوجه الأكمل؛ وفي هذا السياق كم يجد المرء نفسه يستغرب من استمرار أحداث الشغب ببلادنا مع وجود قانون يتصدى لذلك، لا بل إن هناك أيضا لجنة وطنية لمكافة الشغب بالملاعب الرياضية، تم إنشاؤها بمبادرة من وزارة الشباب والرياضة٬ وتضم ممثلين عن قطاعات العدل٬ والداخلية٬ والصحة٬ والشباب والرياضة٬ والإدارة العامة للجماعات المحلية٬ واللجنة الوطنية الأولمبية المغربية٬ والجامعة الملكية لكرة القدم٬ والإدارة العامة للأمن الوطني٬ والدرك الملكي والوقاية المدنية٬ ومهمتها هي وضع إستراتيجية وطنية لمكافحة هذه الظاهرة؛ فأين هي تلكم الإستراتيجية؟

إن المسألة الشبابية، كما عرّفها في تقرير قيم خبراء المجلس الاقتصادي والاجتماعي، تعتبر ملتقى السياسات العمومية في بلدنا، من تربية وتعليم، واقتصاد ورياضة وثقافة وشؤون اجتماعية وإسكان. وتتجلى صدقية كل سياسة عمومية في مدى التأسيس الفعلي للمقومات المادية والمؤسسية التي تسمح بتفتح الشباب المغربي، وتوفر له شروط التعبير عن ذاته وملكاته وإبداعيته، لتعزيز الروابط الاجتماعية والتماسك الوطني، وتسهيل إدماج الشباب داخل المجتمع.

وانطلاقا من هذا التعريف لمكانة الشباب داخل المجتمع، فإن مهمة كل مكونات هذا المجتمع تصبح مسؤولة عن أي تصرف يمكن أن ينتج عن فئة الشباب المغربي، بحيث يتقاطع فيه دور المدرسة بالأسرة والإعلام والمؤسسات الأخرى الرسمية والمدنية؛ ولا شك أن مثل أحداث الشغب التي تعرفها ملاعبنا الرياضية هذه الأيام، تؤثر حتما على كل المجالات الاجتماعية وخاصة منها ما يتعلق بزعزعة أمن المواطنين الآمنين، كما يؤثر على الدورة الاقتصادية بالبلاد حيث يتهرب المستشهرون في المجال الرياضي، وهو ما يؤثر بالنتيجة على تنمية الرياضة وضخ دم جديدة في هذه الدورة الاقتصادية؛ هذا عدا أن مثل هذه الأحداث تمس بشكل كبير بنسقية مبادئنا القائمة على التكافل والسلم ومحاربة الكراهية والإقصاء.

إن الروح الرياضية كما يعرفها الباحثون في مجال السوسيولوجيا، لا ترفض فقط الابتعاد عن العنف، وإن كانت بعض الرياضات بطابعها تعتمد على العنف، بل إنها ترفض قطعا وحتما استعمال الكلام النابي والقذف والتراشق بالكلام البذيء، فأي رياضة هذه التي بات يحج قسم من الجمهور إلى الملاعب وقد تسلح برغبة في إيذاء الآخرين معنويا ولفظيا بل وجسديا كذلك؟

صحيح أن هناك من يمكن أن يربط مثل هذه الأحداث المؤسفة بواقع قسم كبير من الشباب الذي يعاني ربما من التهميش والإقصاء، وهو ما يتطلب إدماجهم بالمجتمع وإعادة تكوينهم، لكن هناك مؤسسات ينص الدستور على هذا الدور؛ ولعل أهم مدخل للإدماج، كما توصل إلى ذلك المجلس الاقتصادي والاجتماعي في تقرير حديث له، يبدأ بالتربية والتكوين ويتعزز بالتشغيل. كما أن هناك أيضا، مداخل أخرى مصاحبة على رأسها إدماج الشباب عن طريق الثقافة باعتبارها أفقا متعدد المصادر والمجالات؛ أفق يشكل رافعة تسمح بجعل الشباب في قلب معادلة السياسات العمومية ومبادرات المجتمع المدني.

نورالدين اليزيد
شارك:

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *