هل أسهمت «المجلات التاريخية» في إثارة الوعي التاريخي العربي؟ (2/2)

الرئيسية » إعلام وتكنولوجيا » هل أسهمت «المجلات التاريخية» في إثارة الوعي التاريخي العربي؟ (2/2)

المغرب استطاع وضع أسس المدرسة التاريخية المغربية

وقد شهدت فترة السبعينيات من القرن العشرين تغيرات هائلة في البنى السياسية والاقتصادية والاجتماعية والفكرية في العالم العربي على اتساعه، إذ إن تلك الفترة التي بدأت بحرب أكتوبر سنة 1973م شهدت تحولات أيديولوجية عميقة، وظهور قوى سياسية واقتصادية منافسة للقوى السياسية القديمة في المنطقة العربية، إلى جانب الانتعاش الاقتصادي الذي شهدته سنوات النصف الثاني من السبعينيات وما تلاها في جميع أنحاء العالم العربي، ومنطقة الخليج العربي على وجه الخصوص، وما أدت إليه من مشروعات تنموية على الصعيد الاجتماعي والاقتصادي والثقافي. وكان إنشاء الجامعات العربية بكثرة من أهم تجليات تلك التغيرات التي شهدتها المنطقة العربية منذ السبعينيات. وكانت النتيجة الحتمية لهذه الطفرة في أعداد الجامعات العربية، التي كانت حتى ذلك الحين محدودة العدد، ومقصورة على بعض البلاد العربية دون البعض الآخر، أن زادت أعداد مجال الطلاب في مرحلة ما قبل التخرج، وأعداد طلاب الدراسات العليا على السواء. ولم يكن مجال الدراسات التاريخية استثناء من ذلك بطبيعة الحال. ففي مصر، مثلاً، لم يعد الأمر مقصورًا على جامعات القاهرة وعين شمس والاسكندرية، وإنما انضمت إليها جامعة الأزهر بفروعها العديدة – بعد تطويرها في ستينيات القرن العشرين – بالإضافة إلى الجامعات العديدة، التي تم إنشاؤها في العديد من المحافظات المصرية طوال الربع الأخير من القرن العشرين.

هل أسهمت «المجلات التاريخية» في إثارة الوعي التاريخي العربي؟ (2/2)

وعلى مستوى العالم العربي، شهدت العقود الثلاثة الأخيرة من هذا القرن زيادة كبيرة في عدد الجامعات العربية في العراق، وسورية، ولبنان، وفلسطين، والأردن بالمشرق العربي، وجامعات المغرب وتونس والجزائر وليبيا في المغرب العربي، فضلاً عن جامعات السودان واليمن. أما منطقة الخليج العربي، التي كانت جامعة الكويت من أوليات جامعاتها الكبيرة والمتقدمة، فقد شهدت توسعًا هائلاً في إنشاء الجامعات بالسعودية، وسلطنة عمان، ودولة الإمارات، والبحرين، وقطر.

ولم تكن هذه الزيادة في أعداد الجامعات العربية مجرد زيادة كمية فحسب، بل أفرزت النتائج الكيفية الحتمية عندما بدأ خريجوها يدخلون الفضاء الفكري والثقافي والعلمي العربي، فاعلين ومتفاعلين في شتى نواحي الممارسات الفكرية والثقافية. وكان الباحثون في التخصصات التاريخية المختلفة من أبناء هذه الجامعات هم الذين دفعوا بعربة الدراسات التاريخية العربية قدمًا في بلادهم. ومع تزايد عدد المؤرخين ودارسي التاريخ في هذا البلد أو ذاك من البلاد العربية تصاعد شعورهم بأهمية الدراسة، التي كرّسواحياتهم لها، كما تصاعد شعورهم بالحاجة إلى رابطة ما تجمعهم في نوع من الوحدة العلمية أو الأكاديمية. ومن هنا ظهرت «الجمعيات التاريخية». وأخذت تصدر «مجلة» أو «حوليات» خاصة بها تتضمن بعض الدراسات التاريخية، ولكن هذا لم يكن كافيًا في نظر المؤرخين العرب في كل بلد عربي (تجدر الإشارة هنا إلى أن جامعة الكويت كانت الأوفر حظًا في إصدار عدد من الإصدارات، التي حملت صفحاتها الدراسات والبحوث، التي أسهم فيها الباحثون العرب من كل مكان، ومنهم المؤرخون بطبيعة الحال).

فمن اليمن إلى دمشق، ومن الخليج إلى المغرب، كانت هناك إصدارات بعضها تم تخصيصه للدراسات التاريخية الخالصة، على حين كانت بعض الإصدارات تضم كل الدراسات والبحوث الإنسانية والاجتماعية.

وهنا، يجدر بنا الوقوف قليلاً أمام تجربة المغرب العربي، ومنطقة الخليج العربي، باعتبارهما نموذجين دالين في موضوع المجلات التاريخية في العالم العربي..

فمن المغرب بدأت في أوائل سبعينيات القرن العشرين عملية تعريب كلية الآداب في الرباط. وكانت تلك الفترة مناسبة تمامًا لكتابة تاريخ المغرب بحيث بدأت آثار الميراث الاستعماري تزول (بعد أن ظلت البلاد تحت الاحتلال، أو الحماية. الفرنسية والإسبانية من عام 1912 إلى عام 1956م حسبما يقول نيقولا ميشيل، الباحث بالمعهد الفرنسي للآثار الرقية بالقاهرة «نشأة المدرسة التاريخية المغربية». 1995م. ص47 وما بعدها). ولكن المغرب استطاع بفضل عدد من أبنائه الذين درسوا في فرنسا وضع أسس المدرسة التاريخية المغربية. بيد أن الثمانينيات من القرن العشرين، هي التي شهدت الازدهار الحقيقي في أحوال الجامعات. وانتشار كليات الآداب، وصار لكل كلية آداب وعلوم إنسانية مجلة خاصة بها، وقد يضم كل عدد من هذه المجلات مقالاً أو مقالين في التاريخ.

بيد أن ما يلفت النظر حقًا، أن المجلة التاريخية المغربية حتى منتصف العقد الأخير من القرن العشرين، كانت تحمل اسمًا غير عربي Hesperis-Tamuda، وأكثر مقالاتها مكتوبة باللغات الأجنبية، وعلى الرغم من حداثة المدرسة التاريخية المغربية، فإن «المجلة» التي تحمل صوتها لا تخاطب العالم العربي، ولا تتواصل معه (بشكل ملموس حتى الآن على الأقل)، وهي في هذا الصدد تختلف عن تونس والجزائر. فالأولى قطعت شوطًا كبيرًا في تعريب مدرستها التاريخية من ناحية. كما أن الجهود الباهرة للدكتور عبدالجليل التميمي في تونس، جعلتها تنفرد باثنتين من المجلات التاريخية المتخصصة في العالم العربي: إحداهما عن الدراسات العثمانية، والأخرى عن الدراسات الموريسكية.

والمثال الثاني من منطقة الخليج العربي. فعلى الرغم من الإصدارات الكثيرة، التي تصدرها كليات الآداب والعلوم الإنسانية والاجتماعية بالجامعات الخليجية. فإن المؤرخين والأثريين من أبناء هذه المنطقة، نجحوا في تكوين جمعية علمية تضمهم هي «جمعية التاريخ والآثار بدول مجلس التعاون لدول الخليج العربية». وقد نجحوا أيضًا في إصدار مجلة تحمل اسم «مجلة التاريخ للتاريخ والآثار». وقد صدر منها عددان حتى الآن بتمويل ذاتي تقريبًا. وعلى الرغم من أن الوقت لايزال مبكرًا للحكم على مدى فعالية هذه المجلة، فإنها يمكن أن تكون صوتًا حقيقيًا للبحث والدراسات التاريخية في هذه المنطقة من العالم العربي.

ولست أظن أن هذين المثالين على جناحي العالم العربي يجسدان حقيقة ما يجري في القلب، حيث المجلات التاريخية العربية العريقة، ولكني لا أشك في أنهما علامتان على بداية يمكن أن تكون لها تداعياتها الإيجابية القوية على إثارة الوعي بالتاريخ من ناحية، والتواصل مع الأصوات التاريخية الأخرى في المنطقة العربية من ناحية أخرى.

وإذا كنا قد تحدثنا حتى الآن عن المجلات التاريخية الصادرة عن جمعيات المؤرخين بشكل عام. فإننا يجب أن نشير إلى تلك المجالات التاريخية، التي تصدر عن العديد من أقسام التاريخ في الجامعات المصرية والعربية.كما أن مراكز البحوث والدراسات التاريخية. (التي لايزال بعضها مستمرًا وتوقف بعضها الآخر)، أصدرت مجلات خاصة بها. ومن ناحية أخرى، فإن «اتحاد المؤرخين العرب» (الذي كان مقره في بغداد، ثم انتقل إلى القاهرة بعد عدوان صدام حسين على الكويت)، مازال يصدر مجلة بعنوان «المؤرخ العربي». وخلاصة القول إن المجلات التاريخية العربية قد شهدت نوعًا من «التكاثر» الشديد في السنوات الأخيرة من القرن العشرين، والسنوات الأولى من القرن الحادي والعشرين. وقد أدى هذا «التكاثر» إلى نتائج إيجابية على المستوى الكمي من حيث إتاحة الفرصة لمزيد من الباحثين والمؤرخين العرب لنشر نتائج بحوثهم ودراساتهم. كما أتاح مساحة أرحب للدراسات في الفروع المتنوعة للدراسات التاريخية. بيد أن السؤال يطرح نفسه عن مدى نجاح هذه المجلات في التواصل مع عامة المثقفين وأبناء النخب الفكرية، فضلا عن نجاحها في الوصول إلى القارئ العربي العام.

وإذا كنّا قد بدأنا حديثنا بالمجلة التاريخية المصرية، فإن ما حققته هذه المجلة من نجاح طوال مسيرتها يكاد أن يتوقف الآن لأن هذه المجلة العريقة لاتزال حتى الآن تسير على الخطوط نفسها، التي قامت عليها منذ إنشائها، فلم تتغير بنيتها التحريرية، وعلى الرغم من أن «المجلة التاريخية المصرية»، نشرت بحوثًا قيمة على مدى تاريخها الطويل، فإن حركتها العلمية ظلت أسيرة الفلك الذي أراده لها مؤسسوها منذ أكثر من نصف قرن مضى.

ولأن العدد الأكبر من المجلات التاريخية العربية قد صدر على غرار «المجلة التاريخية المصرية»، سواء المجلات، التي تصدرها أقسام التاريخ في مصر، أو المجلات التاريخية الصادرة عن اتحاد المؤرخين العرب (القديم والجديد) والجمعيات التاريخية العربية. فإنها ظلت تدور في فلكها، ولم تستطع أن تخرج من جلبابها. وتفسير ذلك أن البنية التحريرية لهذه المجلات ظلت قائمة على نشر البحوث والدراسات في مختلف فروع الدراسات التاريخية: سواء على أساس التقسيم المصطنع للزمن التاريخي وعصوره: العصور القديمة، والعصور الوسطى، والعصور الحديثة والمعاصرة)، أو على مستوى التقسيم النوعي (التاريخ السياسي، والتاريخ الاجتماعي، والتاريخ الثقافي… وما إلى ذلك)، ثم أخبار الندوات والمؤتمرات وعرضها. وربما دراسة أو عرض لبعض الكتب.

وأبادر إلى القول إن هذا ليس عيبًا، ولكن تكراره في جميع المجلات هو العيب العلمي. إذ يلفت النظر في هذه المجلات جميعًا أنها نسخ تكرر بعضها بعضًا، ولو أنك نزعت العنوان الدال على جهة إصدارها لما وجدت فروقًا، جوهرية أو ثانوية بينها. فكلها تقريبًا تنشر الموضوعات نفسها. والبحوث والدراسات في شتى فروع الدراسات التاريخية. وفي مختلف العصور التاريخية. في مزيج يشبه المزيج الذي بدأت به «المجلة التاريخية المصرية»، منذ عشرات السنين، وليست هناك مجلات أو دوريات تاريخية متخصصة في فترات تاريخية معينة (باستثناء حولية التاريخ الإسلامي والوسيط، التي أصدرتها مجموعة من المؤرخين المصريين في ثمانينيات القرن العشرين، ولاتزال تصدر بجهود عدد من شباب المؤرخين، ومجلة الدراسات العثمانية، ومجلة الدراسات الموريسكية اللتين سبقت الإشارة إليهما)، ولا توجد حتى الآن مجلة عربية متخصصة في أحد فروع العلم التاريخي. إذ يمكن للمرء أن يعدد عشرات المجلات المتخصصة في التاريخ الاجتماعي أو التاريخ الاقتصادي، أو غيرهما في أوربا والولايات المتحدة وكندا، وهناك مجلات ودوريات متخصصة في تاريخ الحروب الصليبية، أو الدراسات البيزنطية، أوالتاريخ الديني، أو في التاريخ المحلي لأحد البلاد في هذه المناطق.

ويلفت النظر هنا، أن الدراسات التاريخية في الوطن العربي قد تقدمت بالفعل وصار هناك تراكم كمي، وثراء، نوعي أيضًا، في فروع الدراسات التاريخية، في العالم العربي، لم يكن يوازيه تقدم في المجلات التاريخية العربية. وفي ظني أن هذا الموقف الغريب (تقدم الدراسات التاريخية، وزيادة عدد المؤرخين العرب المتخصصين في مختلف فروع الدراسة التاريخية من جهة، وجمود المجلات التاريخية العربية في قالب واحد متكرر من جهة أخرى) ناتج عن ضعف التمويل، وانعدامه أحيانًا.

ومشكلة توزيع هذه المجلات، التي لاتزال محصورة داخل نطاق ضيق تمامًا (بعض هذه المجلات لا يطبع أكثر من مائتي نسخة). كما أن عددًا كبيرًا من هذه المجلات والدوريات قد صارت مجرد أداة لنشر البحوث والدراسات، التي يتقدم بها أصحابها إلى الترقية في الوظائف الأكاديمية. وهو ما يعني أنها صارت «وسيلة مهنية». أكثر من كونها «وسيطًا علميًا» للعمل على تطور الدراسة التاريخية بشكل عام. وتجديد الفكر التاريخي في فروع الدراسات التاريخية، ذلك أن شباب الباحثين الذين يكتبون في هذه المجلات (بسبب عزوف الكبار لأسباب عدة عن الكتابة في هذه المجلات)، يميلون عادة إلى الالتزام بالقواعد الراسخة، والتي لا تثير الجدل، ويبتعدون عن «المغامرة» بدخول مجلات جديدة خوفًا من إغضاب «الشيوخ» الذين يميلون عادة إلى تصديق أنهم «الأفضل»، وأن الأفكار والرؤى التاريخية التي عملوا في إطارها هي الأحسن. ويؤدي ذلك بالضرورة إلى جمود المجلات التاريخية في المضمون زيادة على جمودها في الشكل.

ومن المثير أن هذه الحقيقة لا تنطبق إلا على معظم الدوريات المنتظمة، على حين أن بعض الإصدارات الخاصة حول مشكلات البحث التاريخي، أثبتت أن هناك قدرًا كبيرًا من الحيوية في مجال البحث التاريخي «تعجز» المجلات التاريخية عن أن تستوعبه. فقد عقدت ندوات ومؤتمرات لمناقشة الجوانب المختلفة للبحث التاريخي في العالم العربي. ونشرت أعمالها (منها المائدة المستديرة التي عقدتها مجلة «فكر» في 1985م، واستضافت عددًا من المؤرخين والمفكرين، والندوة الموسعة التي عقدها المعهد الهولندي للدراسات العربية في القاهرة تحت إشراف المرحوم الدكتور أحمد عبدالله سنة 1987م، والندوة التي عقدها «مركز الدراسات والوثائق الاقتصادية والقانونية والاجتماعية»، التابع للسفارة الفرنسية بالقاهرة (السيداج) بعنوان الدراسة التاريخية المصرية 1970 – 1995م، بإشراف الدكتور محمد عفيفي، وغيرها من الندوات)، على حين ظلت المجلات التاريخية العربية قانعة بدورها التقليدي.

وربما يكون من الإنصاف أن نحاول تبرير ذلك القصور «الظاهري» الذي تبدو عليه المجلات التاريخية العربية، وبداية نقرر أن المسئولين عن هذه المجلات عادة ما يكونون من أكثر الباحثين حماسة ونشاطًا، ومن ثم فإن معظم المجلات تصدر بمثابرة شخصية منهم، كما أن مشكلة تمويل هذه المجلات تقف عائقًا حقيقيًا دون صدورها بشكل منتظم وعلى نحو لائق، وتحول بالضرورة دون «المغامرة» سواء في تطوير المضمون أو الشكل أو طباعة عدد كاف لطرحها على عامة القرّاء، ومن هنا يتحمل الباحثون عبء التمويل حين يدفع كل منهم «تكاليف» نشر البحث!!!

حقًا، إن المجلات التاريخية العربية – في معظمها – رهينة المحبسين: ضعف التمويل وضعف التوزيع، فهل يمكن بعد هذا أن نتحدث عن «تأثير» خارج نطاق الدوائر الأكاديمية!

لقد كان من حسن حظ التاريخ والمؤرخين في العالم العربي أن الدراسات والكتابات التاريخية لم تكن وقفًا على المجلات التاريخية العربية. فقد كانت جميع المجلات الثقافية والأدبية العربية تخصص مساحات محترمة للدراسات التاريخية، بل إن الصحف والمجلات السيارة أسهمت في هذا المجال بقدر وافر. وشاركت الإذاعة والتلفزيون والسينما أيضًا بالكثير، ثم جاءت شبكة المعلومات الدولية لتقدم ما لم تستطع أي من الوسائط الأخرى تقديمه في مجال المعرفة التاريخية.

وهو ما يؤكد الحقيقة القائلة إن الرغبة في المعرفة «التاريخية» البسيطة تكاد تقترب من الغريزة عند الإنسان العادي، فلكل امرئ تاريخه الخاص، أي ماضيه، الذي يحب أن يعرفه، وكل منا يريد أن يعرف «ماذا كان»، و«لماذا كان». وأصول ما هو ماثل أمامه من حقائق وظواهر وعادات وتقاليد، وعلى مستوى العقلية الجماعية ترغب الجماعة الإنسانية عامة في معرفة حقائق ماضيها، ليس في الشكل الأكاديمي الجامد بطبيعة الحال، وإنما في قالب سردي حكائي يلعب فيه الخيال دوره، وهو ما نجحت فيه مجلة، الهلال، مثلا منذ تأسيسها قبل قرن من الزمان، وقد لعبت المجلات الثقافية الدور الأكبر في هذا الصدد.

أما المجلات التاريخية العربية فقد عجزت، حتى الآن. عن الوصول إلى القارئ العادي، ولست أظن أنها تستطيع. بيد أن هذا ليس دورها، وليس مطلوبًا منها. ولكن هذه المجلات بحاجة إلى كسر الطوق الأكاديمي للوصول إلى النخبة المثقفة، التي يقوم أفرادها دائمًا بدور الوسيط بين الأكاديمية والجمهور العام.

 خاتمة:

ربما لم تستطع هذه الورقة أن تجيب عن الأسئلة المطروحة في بدايتها، ولكنني حاولت أن أعثر على الإجابة من خلال عرض «تاريخ» هذه المجلات التاريخية والفضاء الفكري الذي ظهرت فيه، وعلى الرغم من أنني لم أتمكن من العثور على الإجابات، فإنني خرجت ببعض الملاحظات.

أولاً: أن الظروف التاريخية الموضوعية التي أفرزت أولى «المجلات التاريخية العربية» قد تغيرت بشكل جذري – أكثر من مرة – ولكن البنية التحريرية للمجلة العريقة لم تتغير على الرغم من تنوع محتواها تنوعًا هائلاً.

ثانيًا: أن المجلات التاريخية العربية، التي صدرت بعد ذلك لم تكن سوى تكرار في الكل والوظيفة والمحتوى للمجلة الأولى – باستثناءات قليلة جدًا – بحيث يمكن أن تكون «ملاحق» لها.

ثالثًا: أن المشكلات والمصاعب، التي واجهت المجلات التاريخية، التي تكاثرت في العقدين الأخيرين من القرن العشرين، والتي صدرت غالبيتها بمبادرات فردية وشخصية من جانب المسئولين عنها، حالت دون تحقيق طموح المؤرخين الذين أصدروا هذه المجلات.

رابعًا: إن حال التراجع العام في العالم العربي قد تركت تأثيراتها بالضرورة على كل نواحي الحياة العربية، وكانت النواحي الثقافية والفكرية أولى ضحايا هذا التراجع، لاسيما أن الحكومات العربية اهتمت بتأمين نفسها، وأنفقت معظم موارد البلاد على هذه الجوانب البوليسية.

خامسًا: إن الصورة التي تبدو قاتمة صورة خادعة، تخفي الكثير من الملامح الحيوية، التي تشي بأن التراجع الثقافي والفكري الظاهر سببه حال «المنع» التي تسود الكثير من مناطق العالم العربي، وتحول دون ظهور الفعاليات الثقافية والفكرية الجديدة إلى العلن.

هذه «الملاحظات» تقودنا بدورها إلى وجوب مراجعة الدور الذي تقوم به المجلات التاريخية العربية، ولكي يمكن لهذه المجلات أن تؤدي دورها بشكل فعال، لابد من أن تتوافر لها موارد الدعم الثابتة والمستمرة (على غرار ما حدث للجمعية المصرية للدراسات التاريخية ومجلتها من دعم قدمه الشيخ القاسمي، وما قدمته دولة الكويت من دعم لاتحاد المؤرخين العرب في القاهرة والمجلة التي يصدرها).

ولاتزال الحاجة قائمة إلى مجلات تاريخية متخصصة في فروع الدراسات التاريخية، وفي الفكر التاريخي، ونظريات تفسير التاريخ، ومشكلات البحث التاريخي بجوانبها المختلفة، ومتابعة كيفية تدريس التاريخ في المدارس والجامعات العربية. ولأن الوعي التاريخي شرط من شروط المواطنة الحرة الواعية، فإن المجال مفتوح أمام مجلات تاريخية عربية من نوع جديد: مجلات تكون مهمتها «تبسيط» التاريخ، على غرار «تبسيط العلوم». وتكون مهمتها «تبسيط» التاريخ، على غرار «تبسيط العلوم»، وتكون مهمتها نشر الوعي بالتاريخ من خلال ما يمكن أن نسميه «التاريخ الشعبي»، أي الدراسات والبحوث، التي تخاطب عامة الناس بأسلوب سهل سلس لتعريفهم بحقائق تاريخهم دونما تعقيد أو إفراط في الشكل الأكاديمي (الذي يجب أن يبقى أيضًا داخل دوائر البحوث والدراسات الجامعية والأكاديمية). ودونما ذلك التعالي الذي نراه في خطاب بعض الأكاديميين. إن مثل هذه المجلات «التاريخية» البسيطة موجودة بالفعل في أوربا وأمريكا وبعضها موجه للأطفال والشباب والصغار على هيئة شرائط Strips. وتؤدي دورًا مهمًا، ويمكن أن يكون هناك الكثير في هذا المجال.

إن نظرة على التنوع والتطور الذي شهدته الدراسات التاريخية في العالم العربي في أثناء العقود الثلاثة الأخيرة من القرن العشرين ونصف العقد الأول من القرن الحادي والعشرين. تكشف عن حجم ومدى ما حققته الدراسات التاريخية في العالم العربي. كما أن نظرة موازية على المجلات التاريخية العربية، التي صدرت في الفترة ذاتها، تكشف عن أن عدد هذه المجلات قد زاد حقًا، ولكنها تكشف أيضًا عن أنها كثرة «التكرار»، وليست كثرة «التنوع”.

قاسم عبده قاسم

شارك:

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *