هربا من ضغوطات العمل ومتطلبات الحياة اليومية.. الأسرة تستنجد بـاستراحة "الويكاند"

الرئيسية » حياة وبيئة » هربا من ضغوطات العمل ومتطلبات الحياة اليومية.. الأسرة تستنجد بـاستراحة “الويكاند”

الأسرة تستنجد بـاستراحة الويكاند

بعد جولات ماراطونية، يتسابق خلالها الزوجان معا، للتوفيق  بين التزامات العمل ومتطلبات البيت، صغيرا كان أو كبيرا، تأتي نهاية الأسبوع أو ما يعرف بـ”الويكاند”، حيث يفترض فيها الابتعاد عن التوتر والاستراحة من ضغوطات العمل، وإعادة ترتيب بعض الأوراق والنبش في المؤجلات قصد تدارك وتصحيح البرنامج الأسري الأسبوعي، مع إعادة النظر في توزيع حصص العناية لكل من الزوجين اتجاه بعضهما، ومنح جرعات من الرعاية والحنان للأبناء، والتواصل/التَّواد بين الأقارب، إن أمكن ذلك، بعيدا عن إيقاعات الحياة اليومية، المتسمة بالسرعة والتعقيدات، ولائحة لا حصر لها من المتطلبات والواجبات لتوفير أبسط متطلبات العيش وسط دوامة من الركض والتسابق.

نهاية أسبوع “ويكاند” .. بنكهات مختلفة

تكاد تختنق حياة معظم النساء العاملات بجملة من الأشغال داخل البيت وخارجه ، بحكم الالتزامات العائلية/الأسرية والوظيفية، خاصة إذا كن لا يتوفرن على “مُساعِدة” بالبيت، أو كانت أُسَرُهن كبيرة العدد ومطالبها لا تنتهي. وبحكم تمضيتها لساعات طوال بالعمل، وبعد معاناة يومية مع المواصلات في أيام السلم والحرب المعلنة، بين الفينة والأخرى، من سائقي سيارات الأجرة أو شركات النقل العمومي، إضافة إلى متاعب الشغل، تعود خديجة الموظفة ذات 40 سنة، إلى قواعدها “غيرُ سالمة” على حد تعبيرها وبأعصاب مشدودة ، لتجد نفسها أمام بيت رأسه على عقبه، يتطلب جهدا وعضلات، ومتسعا من الوقت لتعيد ترتيبه، كي يصبح صالحا للإقامة، أو ما أسمته بـ”الاستراحة” بين أركانه.

 ما تعجز هذه الموظفة عن إتمامه من أشغال، بسبب مداهمة الوقت لها، غالبا ما تؤجله للغد أو إلى ما بعد العودة من العمل، ويكون برنامجها اليومي، وكما جاء على لسانها، كالتالي: « رحلتي مع أشغال البيت، تبتدئ مباشرة بعد تأديتي لصلاة الصبح.. بعدها أدخل المطبخ وأبدأ في طهي طعام الغذاء، موازاة مع تحضير الفطور وإيقاظ الأبناء، دون نسيان “الابن الأكبر” طبعا» تقول عبارتها هاته، وهي تبتسم، ثم تسترسل في حديثها، متحمسة، فتقول : «بعدما يصبح الأكل جاهزا، أعمل على تفريغه في أوعية كل واحد منا، حماية لنا جميعا من “ماكلة الزنقة” وما لها من أضرار كما تعلمين»

بعد هذه التمرينات الصباحية التي تستهل بها خديجة، يومها، تنطلق إلى العمل، وهي تتحسر على حال بيت، لا تُعرف لغرفه ملامح، ولا بداية أو نهاية، هي أكوام هنا وهناك، وفوضى تكاد تنقبض لها القلوب، في انتظار عودتها مساء، لتبدأ الجولة الثانية من معركتها اليومية مع البيت وساكنيه، والتي تخصص للتنظيف والترتيب وغسل الأواني أو تدوير آلة الغسيل إن وجد، أو ما عبرت عنه بــ”صداع الراس.. لينا وللجيران دْيال لْعِمارَة” والذي لا ترى منه مفرا في الليل ولا في النهار، ما بين صفارة طنجرة الضغط وهدير آلة التصبين.

وعندما تعتزم خديجة، الخلود إلى الراحة نهاية الأسبوع “الويكاند”، والذي تنتظره بفارغ الصبر للاهتمام بنفسها والترفيه/الاستمتاع برفقة أسرتها الصغيرة، بمنأى عن ناعورة المعيش اليومي، يحل الضيوف «وما أدراك ما الضيوف.. الجَّهْد مْضوبَلْ».

من المتفق عليه، أنه ليس لكل النساء العاملات أو الموظفات، نفس برنامج خديجة اليومي، أو يخضعن للحصص نفسها من “الأشغال المؤبدة” والمتعاقبة، تعاقب الليل والنهار، منهن من تخصص الويكاند للاهتمام بجسدها ما بين حمام ومحلات تجميل، أو تعتبره فرصة للاستمتاع بالتسوق.

 في حين نجد أن حال حفيظة أستاذة الفرنسية بالأقسام الإعدادية، والبالغة من العمر 35 سنة، مختلف عن الأخريات، بحكم أن النظام المعمول به بالمؤسسات التعليمية، يمكنها من هامش كبير من الوقت، تتدبر خلاله أمورها والتزاماتها بشكل مريح، وبفضله تستطيع التوفيق بين تربية بناتها الثلاث، وأشغال البيت دون الحاجة إلى الركض عكس عقارب ساعتها، أو انتظار طوق النجاة ” الويكاند”، والذي تخصصه، في غالب الأمر، لزيارة  إحدى العائلتين، بمعدل زيارة أسبوعية لكل واحدة منهما، “باش تبقى الخواطر مقادة” كما جاء على لسانها، ولكي تتجنب الدخول في تلك الصراعات التي تعيشها بعض الأسر المغربية، بسبب الاهتمام بزيارة أسرة الزوج أو الزوجة، على حساب العائلة الأخرى التي قد تعاني تهميشا أو إهمالا، بحيث تقل الزيارات أو تكاد تنعدم بين أحد الزوجين وعائلته. ويبقى اشتغال حفيظة وزوجها، في نفس المجال، أي التدريس، من بين الدوافع التي تمكنهما من التعاون فيما بينهما فيما يخص أمور أسرتهما الصغيرة، وتعويض غياب أحدهما عن البيت، بحكم العمل، مع توفير العناية المتطلبة للطفلات الصغيرات ومساعدتهما على إنجاز التمارين والواجبات المدرسية، وكذا تخصيص بعض الوقت للترفيه والاستراحة، بعيدا عن أجواء البيت، خلال العطل المدرسية، أو نهاية الأسبوع.

كيف تختزلين 5 أيام في 48 ساعة

تتقاسم عينة من النساء، أينما حلت وارتحلت، التذمر من عبء أشغال البيت والتأفف من ضغوطات العمل، مع غياب “المُساعِدة” أو كما أسمتها إحداهن بـ” لاموفيز” عوض ما يشاع بين الناس بـ” لابون”، بسبب عدم توفقها في الظفر بإحداهن لتعويض غيابها، عندما تشارك زوجها إدارة مطعمهما، ساعات الذروة. إن هذه النوعية من النساء، ما إن تلتقي، إلا وتبدأ في سرد حكاياتها مع الويكاند، وما تعانيه خلال الثماني وأربعين ساعة هذه، والتي تعني لهن الكثير، بحيث كل المخططات والمشاريع ذات “المدى القصير”، لا يقترن تنفيذها في أغلب الحالات، إلا بنهاية الأسبوع، وفق اللازمة المشهورة والأكثر تداولا بين الجميع “إيوا حَتَّى لْويكاند”، بشكل أصبح معه هذا الويكاند، هو الآخر في حاجة ماسة إلى “ويكاند”.

فبعد قضاء يوم شبه كامل، بعيدا عن البيت وهمومه، تعود هؤلاء النسوة بأجساد متعبة، وقوى خائرة، نتيجة الجلوس لساعات طوال بالمكتب، أو الهرولة بين مصلحات وأقسام إدارية، شأنهن في ذلك شأن شقائقهن وزملائهن في العمل، تفوق تلك السويعات “المسروقة” التي يجلسها الزوجين إلى بعضهما البعض، أو كأبوين مع أبنائهما بعد العمل اليومي. وأمام هذا الوضع بصوره وأشكاله غير المريحة، والمتذمر منها، تشتكي معظم الأسر من غياب الحوار بين أفرادها، إذ نادرا ما يجتمعون في المساء، ولسويعات قليلة، أمام التلفاز أو من أجل الطعام. فساعات التلاقي بين عناصر هذه الأسر لا يتعدى، المساء وجزء قليل من الليل، بحكم الغياب عن البيت طيلة النهار. وفي هذه الأثناء، تضطر الأم/الزوجة، إلى الإقامة في المطبخ، لتحضير وجبة العشاء، وقد تجبر على التنقل ما بينه وبين غرفة الأبناء، كلما احتاجوا مساعدتها لفهم تمارينهم، إذا ما رفض الأب ذلك، لمشاهدته كرة القدم أو متابعته لأحد البرامج، وقد يكون هو الآخر، لسوء حظ الأم والأبناء معا، غارق في أوراقه لإتمام معاملات أو قضايا، لم تسعفه ساعات العمل على إنجازها.

وبما أن اللقاء الأسري لا يدوم طويلا في غالب الأحيان، بسبب ضيق الوقت، والتعب، والتزامات اليوم الموالي، يتم اللجوء، مرة أخرى، إلى الكلمة السحرية ” إيوا حَتَّى الويكاند” للاحتماء/التسلح بها، وقضاء كل المؤجلات، وتعويض ما فات.. وهكذا تتعلم النساء، اختزال الخمسة أيام في ثماني وأربعين ساعة لا غير، ومعلمهن في ذلك هو “زْمانْ وَلْوَقْتْ”، كما يحلو لهن ترديده.

ويصف لنا زوج إحدى هؤلاء النسوة، وهو موظف بجماعة بالرباط، حالة زوجته خلال نهاية الأسبوع، فيقول: « كان الله في عْوان مولاتْ الدَّار.. فهي دائمة الاشتغال والحركة طيلة أيام الأسبوع، بما فيها “الويكاند”، بحيث تخصصه لأشغال البيت الكبرى، من كنس، تنظيف وتسوق، وتحضير جميع مستلزمات طعام الأسبوع وتخزينه في المجمد، دون الحاجة إلى وجود “مُساعِدة”». إلا أن الأمر لا يتوقف بالنسبة إلى هذا الزوج عند هذه النقطة، فهو يرى أن الأمر لا يتطلب منها بذل كل هذا الجهد، ما يكفيه هو أن يجتمع بأسرته يومي السبت والأحد، كونهما يضيعان من بعضهما البعض، على حد تعبيره، وسط زحمة من الانشغالات لا تنتهي، على مدار الأسبوع بكامله.

وكم كانت حماته حكيمة، وواعية لمسألة غياب الأسرة طيلة الأسبوع، ومدى احتياجها لهذين اليومين، في ردها على عتاب زوج ابنتها لها، بسبب شح زيارتها لهم، فأجابته «ديروا لْخيرْ فْ راسْكُمْ بَعْدا .. فليس لديكم من الأيام، سوى الويكاند… وأنا لا أستطيع زيارتكم خلاله، لكونكم أولى به من زياراتي، لتجتمعوا فيما بينكم ولو مرة بالأسبوع…».

فاطمة الزهراء الحاتمي

شارك:

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *