نظرات في المسألة الثقافية - 4

الرئيسية » الأعمدة » تأملات فكرية » نظرات في المسألة الثقافية – 4

استكمالا لما أثير في الحلقة الأخيرة، فلا سبيل لمواجهة ما جرى نعته بـ “الداروينية الثقافية” إلا بفعل الممانعة. لكنها ليست أية ممانعة؛ إنها الممانعة التي تنهج استراتيجية الدفاع الإيجابي القائمة على التمسك بانفتاح الثقافة العربية الإسلامية على الثقافة الكونية، والانتظام معها وضمنها في جبهة الدفاع عن القيم الثقافية التي تتهددها ثقافة العولمة. وتوضيحا لهذا المعنى يؤكد عبد الإله بلقزيز أن: “ثقافتنا جزء من الثقافة الكونية المعرضة لخطر السحق من مصادر عدوان مشترك. فلا معنى لأن نلوذ بذواتنا وحدنا ونعزل أنفسنا عن العالم بدعوى تميزنا وتمايزنا. ليس أمنا ثقافيا هذا، إنه الانتحار الثقافي”.

وفعل “الممانعة الثقافية” الذي يتم التعويل عليه في هذا الإطار لدمغ “الداروينية الثقافية” ومقاومتها يتحدد من خلال؛

 أولا: العلاقة بين الخاص والمحلي الذي تدافع عنه الممانعة تلك من جهة، والعام والكوني الذي تفترض فيه مغايرة تهددها من جهة ثانية..

ثانيا: الأساليب والآليات المختلفة التي تتوسل بها عملية الممانعة الثقافية وكذا الأشكال التي تكتسيها..

ثالثا: التخوم التي قد تصل إليها (الممانعة) فتحددها كفعل ثقافي تاريخي مشروع، أو كفعل سلبي انتحاري.

يبرز المؤلف كيف أن الممانعة الثقافية تظل محكومة بإستراتيجيتين؛ “استراتيجية الدفاع الذاتي المتحرك، واستراتيجية الدفاع السلبي المنكفىء. الدفاع الأول شرعي، لأنه من طبيعة أية ثقافة تخوض المنافسة.

وما يعزز شرعيته، من وجهة نظر بلقزيز، أنه “دفاع لا يتخندق وراء تحصينات ماضوية، بل يتحرك إلى مناطق الخصم، ويتعلم من أساليبه، ومن الأسباب التي صنعت قوته. أما الدفاع الثاني، فشرعيته انتقالية واضطرارية، وهو يتحكم على نفسه بالهزيمة بسبب اقتصاره على مصادر ضعيفة الطاقة في المواجهة. يقيم الأول جدلية متوازية بين الأنا والآخر، بين المحلي والكوني، فيحفظ ذاتيته من التبديد، ويزودها بحاجات جديدة تنمي من قدرتها على البقاء. أما الثاني، فيقيم العوازل بين الحدين فينتصر للأنا على الآخر، وللخصوصية على الكونية، مغامرا بتعريض ذاتيته إلى التضحية الخارجية من ثقافات أقوى، وإلى التآكل والضمور الداخليين..”

وفي هذا السياق يستهجن الكاتب رأي من يعتبر أن الدفاع عن الخصوصية الثقافية لا يعبر إلا عن “محاولة يائسة للتفلت من أحكام قانون الكونية الذي بات ينتظم الثقافة (أو الثقافات) في العالم المعاصر، فيوحد قواعدها ومعاييرها ويرفعها إلى حالة إنسانية عامة تتخطى حدود الجغرافيا الاجتماعية.”

ليبرز، بعد ذلك، أن وعي الثقافة لا يستقيم دون رؤية ذلك التوتر الذي يعتمل فيها بين خاص يحيل إلى المجتمع، وعام يحيل إلى الإنسانية. ومع أن الكاتب لا يجادل في أن الثقافات تتداخل في ما بينها تداخلا وثيقا يوحد ،إلى مدى كبير، قواعدها وقيمها، ويوسع من دائرة المشترك في ما بينها إلى الحد الذي قد تبدو فيه وكأنها ثقافة واحدة، أو قل تنويعات مختلفة على ثقافة واحدة، إلا أنه يشدد على أن هذه الطبيعة الكونية للثقافة لا تعني، بأي حال من الأحوال، المطابقة الكاملة في الشخصية الثقافية، أو التماهي التام بين الثقافات.

كل ما هنالك؛ أن وجود ما هو عام ومشترك بين مختلف الثقافات، بفعل وحدة التجربة الإنسانية كونيا، لا ينفي أن لكل ثقافة شخصيتها التي بها تتميز وتتمايز عن سواها من الثقافات، بحيث أن كل مجتمع يتمثل ما هو عام وكوني ويعيشه انطلاقا من خبرته وتجربته التاريخية الخاصة..

وبهذا المعنى تغدو الخصوصية بمثابة “الشكل الاجتماعي الخاص للتعبير عن الكونية الإنسانية بوصفها كونية متعينة، أي متحققة في حقل تاريخي مادي، هو المجتمع”؛ بإراداته واختياراته ومشاعره وتطلعاته الخاصة التي لا يمكن إخضاعها للتكميم. وهكذا إذا جاز لنا ان نتحدث عن كونية في العلم فلا يمكن الحديث عن كونية في الثقافة..

شارك:

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *