علم المستقبل وأهمية الدراسات الاستشرافية (1/2)

الرئيسية » علم وحضارة » علم المستقبل وأهمية الدراسات الاستشرافية (1/2)

علم المستقبل وأهمية الدراسات الاستشرافية

إن اصطلاح «علم المستقبل» مشتق من الكلمة اللاتينية Futurmes أي المستقبل، والكلمة اليونانية Logos أو العلم، وقد ظهر هذا الاصطلاح لأول مرة عام 1943 في أبحاث نشرها العالم الألماني الاجتماعي أو سيب فلتخايهم، الذي هاجر إلى الولايات المتحدة قبل وقت طويل من نشوب الحرب العالمية الثانية، وقد أخذ بالتعليق على الأعمال المتزايدة حول التنبؤ الاجتماعي، وكتب عن ظهور علم جديد، زعم أنه آخذ بالتبلور، وفي طريقه لأن يصبح علماً قائماً بذاته، وكان ذلك علم المستقبل أو (فيوثورلوجي Futurology). وعاد مصطلح “علم المستقبل” للظهور في أوائل الستينيات، وانتشر انتشاراً كبيراً في الغرب، واكتسب قوة واندفاعاً كبيرين، نتيجة لتطور الوسائل الفعالة التي تساعد على التنبؤ في مجال العلوم الاجتماعية، ولقيام المئات من مؤسسات الأبحاث الكبيرة والدوائر المتخصصة بالتنبؤ في تطور العلم والتكنولوجيا والاقتصاد والعلاقات الاجتماعية والدولية والقانون والسياسة الداخلية والخارجية والعلاقات الدولية وأبحاث اكتشاف الأرض والفضاء … الخ، لذلك نقول إن علم المستقبل Futurology هو من العلوم “الجديدة” نسبياً، إذ لم يلق رواجاً لدى العلماء والمفكرين في الدول المتقدمة إلا في وقت متأخر، أي في عقد الستينيات، كما أنه أخذ يحظى باهتمام أكبر وأوسع، عندما تحول منذ مطلع السبعينيات، من مجرد “تمرينات” واجتهادات ذهنية وفكرية فردية، من قبل طائفة من بعض العلماء والمفكرين، إلى اجتهادات علمية منظمة، أكبر حجماً، وأكثر شمولاً وتنوعاً، تقف وراءها، وتدعمها، وتمولها، وتنشر نتائجها، مؤسسات وهيئات دولية وشبه دولية كبرى. 
ونجد أن هناك من يرجع بروز هذه الدراسات المستقبلية وتعاظم الاهتمام بها إلى عاملين رئيسيين هما: “أزمة النظام الرأسمالي والتقدم العلمي والتقني”. وقد أسفر العامل الأول عن ظهور كتابات، حاولت أن ترسم صورة أفضل لمجتمع الغد، تعتمد على مظاهر التقدم العلمي والتقني. أما العامل الثاني وهو تطور أدوات المعرفة والقياس، وتطور أساليب تحليل النظم كتطور الأدوات المعرفية، فقد أعطى دفعة قوية للدراسات المستقبلية.

وإلى جانب هذين العاملين هناك عامل آخر، لا يقل أهمية، وهو ظهور عدد من الدول الناشئة الجديدة التي تبحث عن وسيلة للتغلب على التخلف الاقتصادي والاجتماعي لديها، والتي وجدت في دراسة المستقبل وسيلة للتنبيه على السلبيات المعتمدة حالياً، وكيفية اختيار سياسات بديلة لدرء تلك السلبيات في المستقبل. فعن طريق الدراسات المستقبلية يتم وضع عدة بدائل معينة للمستقبل، توضح عدة مسارات مستقبلية، قد تتخذها النظم الاجتماعية والاقتصادية في المجتمع. وبالتالي فإن هذه الدول الناشئة يمكنها، بما توفره لها الدراسات المستقبلية من صور عديدة للمستقبل، أن تعمل من خلال سياسات معينة على الاقتراب من البديل الأفضل الذي يحقق لها غاياتها في تحقيق التنمية والقضاء على عوامل التخلف لديها. هذا فضلاً عن تطور أدوات المعرفة، وخاصــة أدوات التنبؤ وقياس الظواهر (الكمية والكيفية)، التي ساعدت على ارتقاء العلوم الاجتماعية إلى مصاف العلوم الدقيقة. وقد أدى بروز هذه العوامل إلى طرح إشكاليات متعددة أمام المفكرين والعلماء والساسة في شتى المجالات تمثلت في الآتي:

1– الآثار السلبية والإيجابية التي يمكن أن تترتب عن التطور العلمي والتقني.

2- اتساع الفجوة بين الدول المتقدمة والدول المتخلفة وبالتالي تحديد الاستراتيجية التي يمكن تطبيقها الآن وفي المستقبل لتضييق تلك الفجوة.

3– كيفية الموازنة بين إمكانات الإنسان القائمة والمحتملة.

4– الطريقة المثلى لمواجهة أخطار المستقبل. 

5– توفير المعلومات اللازمة لاتخاذ قرارات ذات أبعاد مستقبلية في مختلف المجالات.

لذلك برزت أهمية الاهتمام بدراسة المستقبل، وطلب التنبؤ حوله. فاستشراف المستقبل في الوقت الحالي يعتبر من الأمور الضرورية والمهمة للدول المتقدمة والنامية على حد سواء، لأن المستقبل ليس مجرد امتداد للحاضر فقط، بل هو حالة نوعية مختلفة، يمكن أن نخطط لها. ففي الاستشراف نقوم بدراسة وتحليل ثلاث مراحل مختلفة من الظاهرة قيد البحث، ندرس الماضي ونستخلص منه بعض الدروس والعبر، ونحلل الحاضر بكل أبعاده وتفاعلاته، ونعمل على تخيل المستقبل، ونحاول أن نرصد تطور العلاقات الملموسة في الحاضر، من خلال رسم صور محتملة وممكنة للمستقبل، تكون خلاصة لكل ما أجريناه من أبحاث وتحليلات. 

وفي وقت لاحق ومع تطور الأوضاع الدولية في السبعينيات والثمانينيات، زاد الاهتمام بدراسات المستقبل، التي اكتسبت أهمية كبيرة في كل المجـالات وعلى كل المستويات. وتعــرف الجمعية الدولية للمستقبلات “World Future Society ” الدراسات المستقبلية على أساس طبيعتها في أربعة عناصر رئيسية هي: 

1– أنها الدراسات التي تركز على استخدام الطرق العلمية في دراسة الظواهر الخفية.

2– أنها أوسع من حدود العلم، فهي تتضمن الجهود الفلسفية والفنية، جنباً إلى جنب مع الجهود العلمية.

3– أنها تتعامل مع نطاق لبدائل النمو الممكنة، وليس مع إسقاط مفردة محددة على المستقبل.

4– أنها تلك الدراسات التي تتناول المستقبل في آماد زمنية تتراوح بين خمس سنوات وخمسين عاماً.

بمعنى آخر أن الدراسة المستقبلية هي دراسة علمية، تبحث في ظواهر غير منظورة حالياً، من خلال طرق ومناهج متعددة ولفترة زمنية بعيدة نسبياً، وذلك عن طريق صياغة متعددة للمستقبل، يفترض فيها تطورات معينة للظاهرة محل الدراسة. فالتحليل المستقبلي أو الاستشرافي بهذا المعنى، يوضح لنا صور المستقبل الممكنة والمحتملة، مما يساعدنا في رسم الطريق الأفضل للوصول إلى الأهداف المتوخاة “إن الإلمام بعلم المستقبل، يعتبر إذن من ضمن الأدوات الرئيسية التي تدعم قدراتنا في مجال استشراف المستقبل لفترات زمنية ملحوظة، قد تتراوح في العادة ما بين 10-30 سنة أو أكثر، وإمكانيات النجاح في تبني وتطور سياسات طويلة الأمد في مجال التعامل مع القضايا المستقبلية”.

ويعرف الاستشراف بأنه “منهج لا يسعى إلى التنبؤ بالمستقبل أو التخطيط له، بل يقوم بإجراء مجموعة من التنبؤات المشروطة” أو المشاهد “السيناريوهات” التي تفترض الواقع تارة، والمأمول فيها تارة أخرى، أيا كانت طبيعة الصور المأمول فيها، دون أن تنتهي إلى قرار بتحقيق أي من هذه الصور، فهذا أمر يدخل في حيز التخطيط، بهذا المعنى فإن الاستشراف هو دراسة لحالات احتمالية، لها شروط ومؤشرات معينة، تصاغ في بدائل، على شكل مشاهد مستقبلية مترابطة منطقياً. والدراسة الاستشرافية تستخدم المشاهد في توضيح عملية التطور في ظواهر معينة، وهذه المشاهد تتضمن عدة افتراضات تحاول أن تحصر عملية التطور تلك.

والاستشراف هنا يختلف عن التنبؤ. ويكمن الاختلاف بينهما في درجة تحديد “حدوث” أي من بدائل المستقبل فكلاهما يتفق في دراسة حدوث بدائل معينة للحاضر الذي نحياه، ولكنهما يختلفان في درجة تحديد حدوث أي من تلك البدائل. فالدراسة الاستشرافية لا تنتهي بتقرير حدوث أحد البدائل الواردة فيها. فهي تدرس بدائل متعددة “احتمالية” وتقارن بينها، ولكنها لا تنتهي بتحديد أي منها يمكن أن يحدث أو سوف يقع. فهي في طبيعتها دراسة للاحتمال الممكن حدوثه. وهي في ذلك تسعى لمحاولة التأثير على شكل المستقبل القادم. أما التنبؤ فهو تقرير بحدوث أحد بدائل معينة للمستقبل، بناء على تتبع مسار متغيرات معينة في الماضي والحاضر، ورصد تأثيرها على ظاهرة ما في المستقبل، بحيث ينتهي إلى أن تطور تلك المتغيرات سوف يؤدي إلى حدوث بديــل معين دون غيره. والجدير بالذكر هنا أن إحدى مسلمات التحليل الاستشرافي هي أن المستقبل يستطيع أحياناً أن يفاجئنا بأحداث وتطورات لم يدخلها الباحثون في الحسبان. فلا يستطيع أحد اليوم على سبيل التأكيد أن يحدد مثلاً الآثار السياسية والاجتماعية للتحولات التكنولوجية عميقة الأثر التي ستحدث خلال فترة الدراسة. وتزيد أهمية هذا الاعتبار عند البحث في مستقبل دول العالم الثالث، أو في موضوع العلاقات الدولية، حيث تتعدد المتغيرات وتتشابك وتتعقد. على أن إدراك ذلك لا ينبغي أن يؤدي بنا إلى نبذ محاولة استشراف المستقبل، بقدر مما ينبغي أن يدفعنا إلى فهم حدود معارفنا، والتواضع فيما نقدمه من نتائج،والحرص على استنفاد الاحتمالات والتداعيات المحتملة.

وفي هذا الإطار يجب أن نذكر أن دقة أو عدم دقة صور المستقبل المرسومة لأي ظاهرة تتوقف على حيثيات عديدة أولها : تتابع النتائج، وهي التحديد الدقيق للاتجاه الذي سيتخذه تطور الظاهرة مستقبلاً. وهذا يترتب على التحديد الدقيق لواقع الظاهرة في الحاضر والذي يتوقف إتمامه على كيفية تحليل مكونات الظاهرة أو العناصر المشكلة لها، من حيث طريقة عملها، والعلاقة التبادلية بينها وبين البنى والعلاقات الاقتصادية والاجتماعية المحيطة بالظاهرة –أي البيئة المحيطة-. وهذه الأخيرة بدورها تتوقف على ما يتوفر لدينا من معلومات كافية حول ما نريد دراسته فذلك من شأنه أن يعطينا القدرة السليمة على التحليل. فكل ظاهرة في المجتمع سياسية أو اقتصادية أو اجتماعية هي محدودة الحركة والفاعلية بحدود التقائها مع الظواهر الأخرى الاقتصادية والاجتماعية، وبالتالي فان هناك قيوداً معينة تقف أمام تطور الظاهرة في اتجاه معين، وهذه القيود قد يتعذر تجاوزها في المستقبل المنظور، وبالتالي لابد في دراسة المستقبل من أن نعي أن هناك حدوداً معينة ينبغي أخذها بعين الاعتبار عند رسمنا لصور المستقبل.

نزيهة أحمد التركي (موقع الحوار المتمدن)

شارك:

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *