جان جويبو: الغرب ليس رديف الحداثة

الرئيسية » حياة وبيئة » جان جويبو: الغرب ليس رديف الحداثة

نشر الإصدار الأخير المشترك بين كل من La Vie  وLe Monde (رقم 7 يونيو 2012)، حوارا هاما مع المفكر والمحلل الفرنسي جان كلود جويبو، حول عدة قضايا تهم الحضارة الغربية الحديثة والنموذج الغربي، حيث يقترح مفهوم الحداثة الممتزجة كما يعيد النظر في مفهوم المركز والمحيط من خلال استبدال مفهوم مفهوم الحضارة بمفهوم الثقافة.

جان جويبو

نحن بنظركم في “بداية عالم جديد”، على ماذا ترتكز التحولات الكبرى في الوقت الراهن؟

ما نعيشه منذ عشرين عاما هونقلة هائلة، كالتي تحدث كل ألفي أوأربعة آلاف سنة. فمنذ مطلع الثمانينيات ونحن نعيش أربع ثورات متزامنة بحيث تغير الوضع في كل مجالات الحياة الإنسانية: ثورة اقتصادية مع العولمة، وثورة رقمية وسِبِرنتيقية أدت إلى ولادة شبه كوكب، وهوالقارة السادسة، وثورة جينية تحول الدعائم التي تقوم عليها الإنسانية، ووجوه ارتباطنا بالحياة والاستنساخ البشري وشجرة الأنساب، وثورة بيئية مع تنامي الوعي بأننا لن نستطيع التطور بنفس الحال الذي كنا عليه منذ الألفيات السالفة.

إن هذه الدواعي الأربع تجعلنا نعيش تحولا مهما يمكن أن يضاهي ما حصل في العصر الحجري الحديث منذ 12000سنة، والذي انتقل بنا من الصيد إلى تربية الدواجن، ومن القطف إلى الزراعة ومن الترحال إلى الاستقرار.

 تقولون أيضا بأننا نسير إلى “حداثة ممتزجةmétisse ” ماذا تعنون بذلك؟

تشَكَّل تمثلنا للعالم بالصورة التالية: الغرب هوالمركز الذي يشع على المحيط، والغرب هوالذي يجسد الحداثة أما المحيط فيجسد التقليد والتأخر. فالمركز يبقى مصدر إشعاع سواء كان بطريقة عنيفة من خلال الكشوفات أوالاستعمار، أوالتأثير الثقافي، أومن خلال الهيمنة التكنولوجية.

تداركت الثقافة الأوربية تأخرها في بداية القرن السابع عشر، بالنظر إلى بعض الحضارات الأخرى، أكبر وأقدم، كالهند والصين، والتي تقدمت عليها لتصير مهيمنة.

إن هذا التمثل للعالم طيلة أربعة قرون قد عفى عليه الزمان، وأصبح منذئذ متهافتا.

هل هي نهاية الهيمنة الغربية؟

إلى حدود التدخل الأمريكي في العراق، اعتقد المحافظون الجدد أن بمقدورهم الحفاظ على التفوق الغربي على باقي العالم، وتبين الآن بأن ذلك أصبح مستحيلا. إذ الولايات المتحدة لم تعد تمتلك الوسائل للانتصار في العراق أوأفغانستان، فحكم العالم أصبح بعيد المنال عنهم. واعتقد البعض الآخر بأن الغرب يبسط يده على التكنولوجيا العالية، إذ يقولون لا بأس من أن يصنع الصينيون جوارب بأثمنة بخسة، فنحن نصنع الطائرات الباهضة الثمن والتي نمتلك تكنولوجيتها، وقد تبين أن هذا محض وهم، فثمة بلدان كالهند أصبحت منافسة لنا في هذا الميدان.

بعد أيام من خسارة مصرف ليمان برادرز Lehman Brothers، يوم 15 شتنبر2008 والتي أدت إلى الأزمة المالية التي بلغت ذروتها في الغرب، عرفت الصين أول خروج لرائد فضاء صيني للفضاء، كانت إشارة من طرف خفي من لدن التاريخ. وفي الشهر الموالي أطلقت الهند أول بعثتها الفضائية إلى القمر.

إننا ندخل وضعا جديدا لا يوجد فيه مركز واحد بل مراكز متعددة، لم يعد بمقدور أحد اليوم أن يقول بأن أحدها سيصير مهيمنا، ومن ثم لم يعد الغرب رديف الحداثة.

بكلمة ممتزج métisse، هل تعنون ضمنا أن الزواج بين الأعراق في ازدياد أكثر فأكثر؟

لا، أنا أناشد حداثة ممتزجة، وليس مجتمعا ممتزجا، إذ تمازجية الثقافة يمكن أن تكون مصحوبة بتمازجية الناس غير أن هذا ليس قاعدة مطردة، وأحسن مثال هم اليابانيون الذين أخذوا بنصيب من الجميع منذ عصر ميجي، ولكن مجتمعهم لا يمتزج.

تعارضون بحزم أطروحة صراع الحضارات لصمويل هنتنجتون، ولكن من جانب آخر لا تستبعدون كون الحداثة الممتزجة تخلف عنفا، أليس هناك تناقض؟

مراحل الحداثة كانت دائما مصحوبة بالصد والرفض، وهذا حال إيران الآن، وسوف تكون هناك ردود أفعال ولكنها داخل أوطانها. فالعالم الإسلامي اليوم يعاني من أصولية تريد إيقاف الصيرورة الحداثية، سيكون هناك عنف، لا أعلن بأن العالم سيكون ناعما وبدون مشكل، ولكنه عالم لا يطابق تحاليل صراع الحضارات. فصمويل هنتنجتون يتكلم عن الحضارات السبع الكبرى وكأنها وجدت وحدات خالدة، والواقع بخلاف ذلك منذ قرون!

فالصين الحالية قد أعيد تشكيلها ومرت بتناقضات مثلها مثل الغرب، ونفس الشيء بالنسبة للهند التي جعل أدبها من هذه المنازعة موضوعه الأساس.

هل يبقى الرهان على الديمقراطية في الحداثة الممتزجة؟

هناك رؤيتان خاطئتان، تلك التي تقول بأن كل البلدان ستتوصل طال الزمن أو قصر لديمقراطيتنا، ومن ثم يجب تلقينها لهم، وهو الأمر الذي لم يفلح في العراق ولن يفلح في أي مكان. والتحليل الثاني هو الآخر خاطئ كليا يرى بأن الحرية لا تعنيهم، فهم ينتمون إلى ثقافة أخرى، غير أن الثورات الشبابية التي برزت في 2011 بتونس ثم بمصر وبشكل إشكالي أكبر بليبيا إلى اليمن وسوريا أو المغرب أظهرت عوار هذه الرؤية الثقافوية culturaliste.

لا نعرف بعد ماذا يمكن أن يسفر عنه “الربيع العربي” المتنوع، ونخشى ابتداء من إمكانية مصادرته من قبل الإسلاميين، ولكن علينا أن نتحلى بالصبر ولا نطالب العلم العربي بإنجاز “التحرير” libération، الديمقراطي  في أشهر قليلة والذي تطلب منا نحن الغربيون قرابة قرن من أجل استكماله.

لا شك أن حركات مشابهة تحصل في أجزاء أخرى من العالم، فالمجتمع الصيني المهتم جدا بالحريات، هو بصدد إعادة اختراع ميكانيزمات ديمقراطية على مقاس النظام وذلك بردها إلى خطابها الخاص. أما إيران فمازالت تحت حكم ثيوقراطي ظلامي، غير أن المجتمع المدني يشهد دينامية مدهشة، بتعبير آخر هناك أشكال ديمقراطية تتبرعم وتصاغ قريبة وبعيدة في نفس الآن مما لدينا، في حين تظهر مقاربات مطابقة adaptée لحقوق الإنسان، فهي لن تخضع بالضرورة إلى نوع من الاستنساخ لنماذجنا.

هذه الحداثة الممتزجة واعدة إذن بأشياء جيدة؟

في رأيي نعم، ولكن شيئين يقلقاني، الأول هو شعور الناس بأن إعادة هذا التشكيل الكوني سيسلبهم هويتهم. فهذا الجزع الهوياتي يكاد أن يوجد في كل مكان: انطوائيات الغرب على القرية أو الطائفية، والقوميات الصغيرة في الإمبراطورية السوفيتية السابقة، إلى آخره.

إن إهانة الإسلام هي التي تولد الإرهاب، وإهانة الهنود بالهند بتقنوية علمية معجبة بالذات هي التي تنقلب بهم في بعض الأحيان إلى رؤية ارتدادية، هي الحركة الثقافية للهندوة (نسبة للهند) l’hinduva، (hindouité) والتي تغذي الحزب الأصولي الهندي Bharatiya Janata Party.  في حين يمكن أن تكون لنا هوية قوية، محفوظة ومحمية، ولكن منفتحة. فهذه إحدى رهانات الغد.

القلق الآخر، إيكولوجي، حيث لا يجرؤ أي رجل سياسة على قول: نحن أهل الغرب أمام إفقار، ولا يمكننا فعل شيء آخر إلا القبول بإفقارنا، لأن نموذجنا قد انتشر في باقي العالم، والأرض لا تتحمل ذلك.

هل تستطيع الديمقراطية الصمود أمام الإفقار؟

لا نعرف، فالمجتمع يمكن أن يفقر في أوقات الحرب لأن هناك تهديدا خارجيا، بخلاف وقت السلم فإنه لا يقتدر على ذلك إلا إذا شعر الناس بأنهم في مجتمع عادل تتساوى فيه الجهود. غير أن مجتمعاتنا أصبحت ظالمة أكثر فأكثر، والفوارق تتفاقم.

هل نسير نحو صدام حضارات من نوع اقتصادي بين الصين التي تريد بسط نفوذها على الموارد الطبيعية والأراضي لإمداد تقدمها والغرب مثلا؟

بكل تأكيد. ولكن لن يكون صراع حضارات، بل سيكون تنافسا امبرياليا كلاسيكيا، إنه احتكاك بين البلدان من أجل اقتسام ما تبقى من خيرات العالم. عدا عن ذلك، أعتقد بأن فكرة حضارة لا تعني شيئا مهما. فالكلمة تقترح شيئا ثابتا لصيقا بالتاريخ.

عندما تكون أستاذا بجامعة بركلي، وأنت من أصل صيني، فأنت صينوأمريكي، تدرس بجامعة أمريكية وفي نفس الوقت تشتغل على ثقافة بلدك الأصلي من خلال أعمالك، إذ تحول من الداخل ثقافتك الأصلية. في أي حضارة أنت إذن؟ في مهوى يتم فيه لب الإبداع الثقافي والفني حاليا.

هذا هو الذي يسفه طروحات صامويل هنتنجتون الذي تتبدى عنده الحضارة كسياجات إسمنتية مغلقة.  

هل تستبدلون حضارة بمصطلح آخر؟

بمصطلح ثقافة، لأن الثقافة تمازج، فنحن أنفسنا مولدون metises، منذ أمد بعيد، إذ ثقافتنا، ومعجمنا الفرنسي وطريقتنا في النظر للأشياء ومأكلنا وهندستنا، هي رومانية ويهودية ومسيحية ومسلمة، فمفهوم الثقافة يبدولي أكثر سعة من حضارة.

ترجمة: عبد الصمد غازي

شارك:

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *