ثقافة الاختصار

الرئيسية » الأعمدة » حروف » ثقافة الاختصار

عِيب على الثقافة الإسلامية في كثير من الأحيان ، وعند عدد غير قليل من المنظرين لنهوضها وحداثتها، شيوع ماسمي بالمختصرات ، والتي كان يروم أصحابها تقريب العلوم، من أفهام المبتدئين السالكين في دروبها الوعرة، بحيث عملوا على تذليل صعابها وتسهيلها من أجل مقصد الإفهام والاستيعاب ، واعتبرت بهذا الغرض ذات أهداف ديداكتيكية محضة، ولم تكن عنوان الانحطاط واندحار العلوم وطغيان التقليد، إلى غير ذلك من شتى الصنوف والنعوت السلبية.

والمتأمل لتلك المتون والحواشي والتذييلات وغير ذلك من المصطلحات التي برع الأوائل في نحتها وصناعتها واشتقاقها، عندما كان الفكر طاقة مبدعة ولادة تنتج وتخترع من المناهج والعلوم ما به يتوصل إلى تحصيلها وتعلمها، يجد بأنها في حد ذاتها علوم تسبح بك في مجالات متعددة، من علوم رواية ودراية وآلة تنم عن تمكنِ مَن تصدى لاختصار علم من العلوم، فهي مهمة ليست بالهينة ، لأنه لا يجرؤ على اختصار علم وتبسيطه إلا من حاز درجة عليا من الإحاطة الشاملة بمسالكه ومقاصده و أغراضه والتمكن في صناعته. فالاختصار ليس علامة اندحار فكري وليس مؤشرا له البتة، لأنه آلية من آليات العقل التي بها يقع انتقال العلوم بين الأجيال ، ويحصل العناية بها و حفظها من الإهمال والنسيان. فالجمود وصف يتعلق بفاعلية العقل ككل، وهو عندما يتوقف فعل الإبداع فيه يصير مقلدا للأوائل أو الأواخر في عجز تام عن الإتيان بجديد مستوفز للهمم، فالعيب ليس في منهجية الاختصار، إذ العقل الإنساني أبدع ،في هذه المضامير وما زال ، ما به يقتدر على الفهم والتحصيل والتوصيل، والعقل الإسلامي توصل إلى ما عرف بالمنظومات والشروح الصغرى والمتوسطة والكبرى وغيرها من المناهج التقريبية، بل كانت أنواع هذه التبسيطات والاختصارات مجالات يُبرِز فيها العلماء سعة معرفتهم ،وموسوعية اطلاعهم ، إذ لا تجد متنا أو أصلا علميا إلا تداولته شروح كثيرة ، هي بمثابة فهوم جديدة، تبرز كفاية اجتهادية تلتزم الأدب مع النص المؤسس وتتجاوزه في نفس الوقت، وهو شكل من أشكال مراعاة أخلاقيات العلم دأبوا على ترسيخها تجنبا للتنطع والتسرع، والتطرف والشذوذ، حيث تكون الطفرات العلمية المرجوة ، مبنية على أساس التراكم ونقل الخبرات ، والفحص والتمحيص العالم والبناء، وليس المتعالم الهدام.

فالاختصار هو مرآة للتطور الذي يلحق المنظومة العلمية ككل، فلا ينفك عن الأولى ، ومن ثم كان العطب في الاقتصار على الحفظ والاستظهار، دون تملك للمفاتيح العلمية التي بها يتوصل إلى تفعيل المعارف وإحيائها، و تنزيلها بربطها بمحاضنها المعرفية الأولى، والتي يسهر على تفتيقها الرواد من العلماء المجتهدين، فلا انفصال بين المتن والحاشية ، فبينهما تواصل يضيء العتمات، ويذهب الظلم، و به تعرف العلوم إحياء وانبعاثا، والاقتصار على جزء دون آخر، بدون مقاربة نسقية متكاملة، تراعي شرط التقدم الهائل الذي تعرفه المعرفة الإنسانية، يزيد العلوم نكوصا وانحسارا.

شارك:

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.