تكنولوجيا الواقع الافتراضي تنعش سوق الروبوتات

الرئيسية » علم وحضارة » تكنولوجيا الواقع الافتراضي تنعش سوق الروبوتات

هناك اعتقاد سائد اليوم بأن تقنيات الأتمتة ستزيح العنصر البشري من المصانع والمتاجر، أو على الأقل إزاحة العاملين إلى الصف الثاني، للعمل عن بعد في تسيير الروبوتات والتحكم بها. بينما يرى آخرون أن الأتمتة والروبوتات أدوات رائعة يمكن توظيفها في حياتنا ونشاطاتنا الاقتصادية.

من منا لم يحلم بيوم لن نكون فيه مضطرين للتنقل للوصول إلى المكان الذي نعمل فيه؛ ونتجنب لفحة البرد القارس في الشتاء، وسخونة الطقس وازدحام الطرقات صيفا.. اليوم أصبح هذا ممكنا. هذا ليس مجرد خيال علمي تابعناه في فيلم قديم؛ بات اليوم بمقدورك أن تعمل داخل متجر أو مطعم أو مصنع دون أن تبرح مكانك، بل يمكنك نظريا حتى الآن أن تقود طائرة حربية، أو ناقلة نفط عملاقة وأنت جالس في صالة منزلك، أو في منتجع هادئ.

كل ذلك أصبح ممكنا بفضل الذكاء الاصطناعي والجمع بين تقنية الواقع الافتراضي وتكنولوجيا الروبوتات والتحكم بها عن بعد. في ركن هادئ داخل متجر صغير في طوكيو يثير انتباهنا روبوتا يؤدي عمله بإتقان وجدية، ينحني ليجلب زجاجة أخرى من أحد المشروبات ثم يرفعها ليضعها على الرف المخصص في وحدة التبريد، ثم يعيد الكَرة، دون كلل أو ملل، والناس حوله يتحركون.

يبدو كما لو كان عاملا آليا مستقلا شديد الاندماج، لكن الأمر لا يخلو من خدعة. فالروبوت لا يمتلك عقلا خاصا به، بينما يتولى عامل بشري التحكم في جميع حركاته عن بُعد، مستخدما نظارة الواقع الافتراضي التي تجعله يرى الأشياء من زاوية عين الروبوت.

في اليابان تتولى هذه المهمة شركة تيلي إكزسزتنس، التي صممت روبوت “موديل – تي” بحيث يتسنى للناس القيام بالأنشطة الحركية داخل المتاجر والأماكن الأخرى من داخل منازلهم. تسمى هذه الفكرة بتشغيل الروبوتات عن بعد، أو العمل عن بعد، وقد تم عرضها في أفلام للخيال العلمي، مثل فيلم بدائل وفيلم التاجر النائم. بفضل تكنولوجيا مثل هذه يمكنك اليوم أن تذهب إلى أي مكان دون أن تتحرك من مكانك.

ويرى الخبراء أن هذه الروبوتات قد تكون حلا مهمّا في مواجهة انتشار فايروس كورونا. ويشير هيكوساكا من شركة تيلي إكزسزتنس إلى أن اليابان، في ظل شيخوخة سكانها، تواجه نقصا في العمالة، لاسيما في الوظائف منخفضة الدخل. ويرى أن هناك إمكانية في التغلب على ذلك جزئيا من خلال نشر الآلاف من الروبوتات في الأماكن التي تتطلب القيام بأنشطة حركية في بعض الأحيان، مع منح الشركات فرصة تشغيل الموظفين عن بُعد للتحكم في الروبوتات حين تقتضي الحاجة.

ويمكن للعمال أن يقوموا بالدخول إلى متجر إلكتروني ويختاروا المهام التي يريدون القيام بها، وبعد ذلك يضعون نظارة الواقع الافتراضي لنقل أنفسهم، افتراضيا، إلى العمل. هذه الفكرة ربما تكون جذابة في الوقت الحالي بشكل خاص، لأن الموظفين لن يكونوا مضطرين للعمل عن قرب مع آخرين، مما يقلل خطر الإصابة بكوفيد – 19 أو نشره.

غير أن ثمة عقبات لم تتغلب عليها الشركة بعد، منها أن “موديل- تي” لا يتحرك بنفس سرعة عامل المتجر البشري، كما أن لنظارة الواقع الافتراضي آثارا سلبية وقد تتسبب بالدوار والغثيان، خاصة في حالة ارتدائها لفترات طويلة. ويقول هيكوساكا إنه وزملاءه يعملون على إيجاد حلول لهذه المشكلات. كما تظل العقبة الرئيسية في إقناع المتاجر بشراء هذه التكنولوجيا على نطاق واسع، وهو أمر ضروري لتقليل تكلفة تصنيع الروبوتات. “ولكن، إذا أحبوها، ستنتشر”، كما يقول هيكوساكا.

غير أن هذه الفكرة ربما لا تحظى بقبول الجميع. إذ يقول كارل فراي، مدير برنامج مستقبل العمل في معهد أوكسفورد مارتن، إنه لا يرى مزايا الروبوتات التي تشغل عن بعد، في أغلب السيناريوهات. ويضيف أن الروبوتات بعيدة جدا عن محاكاة المهارات البشرية في ما يتعلق بالقدرة على حمل وتحريك الأشياء داخل المتاجر أو المصانع.

ويشرح وجهة نظره قائلا “السبب في ذلك هو أن أيادي الروبوت ليست متقنة كالأيدي البشرية. نحن نستطيع حمل أي شيء والتعامل معه بإتقان. نعرف حجم الضغط الذي نمارسه على الأشياء حتى لا تنكسر، وغير ذلك”. وكان الدكتور فراي قد توقع مع زميل له في بحث شهد نقاشا كبيرا عام 2013 أن 47 في المئة من الوظائف الأميركية قد تنتهي بسبب التشغيل الآلي.

ويتوقع فراي أن تفضي الأجهزة التي تعمل عن بُعد إلى الوصول إلى مستويات أعلى من التشغيل الآلي، وبالتالي ستقل فرص العمل أمام العنصر البشري في بعض الصناعات منخفضة الدخل. صحيح أن قائمة الوظائف التي كانت تتم في السابق بصورة يدوية وصارت الآن لا تقتضي سوى قدر بسيط من الإشراف البشري أو ربما دون إشراف على الإطلاق، باتت كبيرة. ويضيف الدكتور فراي “حين تصبح هذه الروبوتات جيدة بما يكفي، لن تريد التحكم فيها عن بعد بالضرورة، ستريدها أن تكون آلية، عندئذ ستتخلى عن الموظفين”.

لقد بدأ عصر الروبوتات، هذه حقيقة لا يمكن إنكارها، حيث تكشف البيانات الصادرة عن الاتحاد الدولي للروبوتات أن وتيرة التحول نحو استخدام الروبوتات تتسارع في معظم أنحاء العالم المتقدم، حيث تم تركيب 74 روبوتا صناعيا لكل 10000 موظف على مستوى العالم في عام 2016، وبحلول عام 2020، ارتفع هذا العدد إلى 113 في قطاع التصنيع.

وبحسب موقع أميركي للإحصاءات، تملك آسيا الآن كثافة روبوتية تبلغ 118 وحدة لكل 10 آلاف عامل، وهذا الرقم هو 114 و103 في أوروبا والأميركتين، على التوالي، بينما تعد الصين واحدة من الدول التي سجلت أعلى مستويات النمو في الاعتماد على الآلات الصناعية ولكن لا توجد روبوتات بشكل كثيف في أي مكان مثل كوريا الجنوبية، التي تمتلك 855 روبوتا صناعيا مثبتا لكل 10000 موظف. بينما تشتهر ألمانيا واليابان بصناعاتهما الخاصة بالسيارات ولديهما مستويات كثافة تبلغ حوالي 350 لكل 10000 عامل، ومن المثير للاهتمام أن اليابان هي أحد اللاعبين الرئيسيين في مجال الروبوتات الصناعية، حيث تمثل أكثر من نصف العرض العالمي.

وفي الولايات المتحدة، تكون وتيرة الأتمتة أبطأ بمعدل كثافة يبلغ 228، ولعل الصين حريصة على توسيع مستوى الأتمتة في السنوات القادمة وتستهدف مكانا بين أكبر عشر دول في العالم من حيث كثافة الروبوتات بحلول عام 2020.

وتتضافر عوامل عدة لنمو سوق الروبوتات الصناعية، وسط توقعات بنموها في أعقاب الوضع غير المسبوق الناتج عن جائحة كوفيد – 19، إذ حاولت مصانع عدة خلال الأزمة، حماية موظفيها، بإغلاق بعض خطوط الإنتاج. ويبدو أن الجائحة أوجدت سوقا محتملة للروبوتات الصناعية، في محاولة للاستعداد لأي جائحة مشابهة مستقبلا؛ ازداد التركيب السنوي للروبوتات الصناعية في جميع أنحاء العالم بين العامين 2009 و2019، ليصبح خمسة أضعاف ما كان عليه.

وتسعى الصين لتعزيز تحديث قطاع التصنيع كثيف العمالة من خلال الابتكار التكنولوجي حيث تواجه تراجعا في عدد السكان في سن العمل وزيادة تكاليف العمالة. زحف الروبوتات أثار مخاوف جرى الحديث عنها في أكثر من مناسبة، كان آخرها في القمة العالمية للصناعة والتصنيع، التي عقدت لأول مرة افتراضيا بسبب تفشي وباء كورونا.

وفي معرض حديثه، تطرق كريس مويل المدير العام لشركة “روبوتيكس هوب” للحديث عن التحديات المستقبلية والمخاوف التي تثيرها التكنولوجيا الحديثة قائلا “لقد حان الوقت لتعزيز توظيف تقنيات الثورة الصناعية الرابعة في القطاع الصناعي. ومع أن البعض سيعتقد بأن توظيف الأتمتة في العمليات الصناعية يساهم في خفض عدد الوظائف أو رواتب الموظفين، لكن الواقع يؤكد أن للأتمتة دورا هاما في تحسين جودة الوظائف والارتقاء بالمجتمعات وخلق مستقبل أفضل للجميع”.

العرب

شارك:

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *