«العنوسة الاختيارية» تهدد سلامة المجتمع

الرئيسية » حياة وبيئة » «العنوسة الاختيارية» تهدد سلامة المجتمع

ظاهرة العنوسة

تظل ظاهرة العنوسة في الوطن العربي هي “الشبح” المخيف، الذي يؤرق الفتيات. فما بين أسباب اجتماعية، وأخرى دينية، تسقط الفتاة في براثن ذلك الشبح، لتكتوي بنيرانه، وآلامه النفسية الوخيمة، وتتحوّل أحلامها بزوج يملأ حياتها ويشعرها بكامل أنوثتها إلى كوابيس مفزعة.

وتذكر الدراسات أن العنوسة لم تعد إجبارية، أي مفروضة على الفتاة بسبب الظروف الاجتماعية، بل أصبحت تزاحمها العنوسة الاختيارية التي تختارها المرأة بكامل إرادتها، بحيث تفضل الوحدة على الارتباط بالرجل غير المناسب، وهو توجّه بدأ يتسع نطاقه، وبشكل غريب في البلاد العربية، بعد انطلاق المرأة في سوق العمل وتزايد تجارب الزواج الفاشلة حولها ما يجعلها أكثر ترددا في اتخاذ قرار الزواج؛ خوفا من شبح الطلاق.

إلا أن علماء الدين وخبراء الاجتماع يرون أن البُعد عن منهج الإسلام، وآداب الخطبة والزواج، هو السبب الرئيس في تفشي هذه الظاهرة، سواء كانت إجبارية أم اختيارية.

وهو ما تؤكده د.سعاد صالح، أستاذ الدراسات الإسلامية في جامعة الأزهر، والتي أشارت إلى أن ابتعاد الشباب والفتيات عن أوامر الله عز وجل، والسنة النبوية الشريفة هو السبب في استشراء تلك الظاهرة، وخاصة أن الإسلام عالج قضية الزواج معالجة حياتية رائعة، لابد وأن تكون الأساس الذي تتم عليه كافة الزيجات.

وأشارت إلى أنه من ضمن الأحاديث النبوية التي عالجت هذا الأمر، قول النبي صلى الله عليه وسلم “يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج”. كما أن الخلفاء الراشدين كانت لهم أيضا مقولات بالغة الأهمية، مثل عمر بن الخطاب – رضي الله عنه – عندما قال لأبي الزوائد “ما يمنعك من الزواج إلا عجز أو فجور”.

تابعت: وتتحمل الأسرة أيضا جزءاً من المسؤولية؛ نظرا إلى عدم التزامها بأوامر الله عز وجل، وآداب قبول الزوج، فالله سبحانه وتعالى يقول {وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ} (النور: 32)، كما يقول النبي صلى الله عليه وسلم أيضا “إذا جاءكم من ترضون دينه وخلقه فزوجوه”، وهي الأمور التي لا يفعلها الأهل الآن، الذين أضحوا ينظرون إلى النواحي المادية أولاً، وربما لا ينظرون إلى شيء سواها، منوهة – في الوقت ذاته – بأن الفتاة نفسها قد تغالي في شروطها للزوج، وقد تنظر إليه أيضا نظرة مادية بحتة، وهو الأمر الذي يعد مخالفا للسنة النبوية المطهّرة.

أما أستاذ علم الاجتماع بالمركز القومي للبحوث الاجتماعية والجنائية، د. عزة كريم، فأوضحت أن تأخر سن الزواج والخوف من العنوسة يؤثران بشكل كبير في الفتاة واختياراتها ويضعاها في موقف الموافقة على أي رجل يتقدم لها مادام لديه الإمكانيات المادية، دون التدقيق في إذا ما كان هذا الإنسان مناسبا لها أم غير مناسب، وهل هو متكافئ معها اجتماعيا وثقافيا وتعليميا أم لا؟، ومن ثم تحدث حالات الطلاق والتفكك الأسرى، وينشأ الأطفال في جو من التوتر والخلافات، قائلة “إن الزواج بالرجل المناسب أفضل بكثير من الزواج لمجرد الزواج”.

أضافت أنه لابد على المرأة إذا لم تقابل الزوج المناسب لها أن تفتح لنفسها آفاقا واهتمامات أخرى كتحقيق تفوق دراسي ومهني والمساعدة على العمل الخيري بحيث تكون إنسانة فاعلة في المجتمع وليست فتاة أقصى أحلامها الزواج. وأرجعت سبب زيادة نسبة الفتيات اللاتي يفضلن العنوسة على أن تتزوج برجل غير مناسب إلى رؤيتهم للكثير من التجارب الفاشلة حولهم والتي تنتج عن الاختيار المتسرع للفتاة، بالإضافة إلى كثرة حالات الطلاق في المجتمع وتشتت أطفال لا ذنب لهم.

وأشارت كريم إلى أن لكل فتاة الرجل المناسب لها، ولا يعني رفض الفتاة لأي شخص أنه غير مناسب ولكنه مناسب لفتاة أخرى غيرها، فمثلاً الفتاة ذات التعليم العالي من الصعب أن تتزوج برجل ذي تعليم متوسط.

وأوضحت أنه مما لا شك فيه أن عدم زواج المرأة سيخلق لديها إحساسا بالنقص، ولكن الزواج ليس رجلاً وامرأة وإنما أسرة وبيت واستقرار وكيان ومستقبل وأطفال، ولذلك لابد أن تدقق الفتاة في اختياراتها.

بينما قال رئيس قسم الاجتماع بجامعة عين شمس، د. علي ليلة، إن قيمة الأسرة انخفضت في العالم العربي بشكل عام بسبب اختراق الثقافات الغربية للثقافة العربية، بالإضافة إلى أن المجتمع كان يدين المرأة المطلقة والعزباء، ولكن الوضع اختلف الآن؛ بعدما خفف المجتمع القيود التي فرضها على المرأة وأصبحت أكثر حرية.

كما أن تغير الظروف والثقافة وتغير القيم في داخل الأسر العربية وإعطاء الوالدين الحرية للفتاة أن تختار من يناسبها وذلك ضمن الضوابط الشرعية، بل والاعتماد على نفسها والتفوق دراسيا، كل هذا أثر في زيادة نسبة الفتيات اللاتي تفضلن العزوبية على الزواج بالرجل غير المناسب.

وأشار إلى أن هناك نوعين من العنوسة هما العنوسة الإجبارية المفروضة على المرأة بسبب الظروف الاجتماعية في المجتمع، والعنوسة الاختيارية التي تختارها المرأة بكامل إرادتها بسبب عدم مقابلتها للرجل المناسب، أو رؤيتها للتجارب الفاشلة حولها والتي تجعلها ذات رؤية مستقبلية فإذا تزوجت وفشلت هذا سيجعلها تعود إلى بيت أهلها مطلقة وربما تحمل أطفالاً وتزيد مشكلاتها بطبيعة الحال، وهذا يجعلها أكثر ترددا في اتخاذ قرار الزواج.

وختم ليلة حديثه قائلاً: “إن ثقافة المجتمع في عصرنا الحالي جعلت المرأة أكثر استقلالية وأقل وإدانة”.

في حين رفض الداعية الإسلامي الدكتور يوسف البدري، فكرة رفض الفتاة الزواج إذا لم تجد الرجل المناسب، قائلاً “إن الله تعالى خلق الزوجين الذكر والأنثى من أجل أن يتزوجا ويزيدا النوع البشري ويعمرا الأرض، ولو عزفت الفتاة عن الزواج فإن هذا يعني تعطيلاً للوظيفة الأساسية التي خلق الله البشر من أجلها”.

وأكد أن من أهم المواصفات التي يجب أن تبحث عنها المرأة هو الرجل ذو الخلق والدين، مشيرا إلى أن الكثير من الفتيات يبحثن عن مواصفات لرجال خياليين ليسوا موجودين سوى على شاشات السينما والتلفزيون، ولكن الدنيا فيها الجيد والسيئ، فلابد أن تكون الفتاة متوازنة وواقعية في اختياراتها، مشيرا إلى أن تفضيل المرأة للعزوبية على أن تتزوج برجل غير مناسب قد يؤدي إلى زوال المجتمع وربما انتشار بعض السلوكيات والعادات التي يرفضها الدين وينهى عنها نهياً قاطعاً.

القاهرة – دار الإعلام العربية

شارك:

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *