العلم لم يقدم بعدُ كل ما لديه.. فأي عالم شجاع ينتظرنا

الرئيسية » إعلام وتكنولوجيا » العلم لم يقدم بعدُ كل ما لديه.. فأي عالم شجاع ينتظرنا

في بداية التسعينات من القرن العشرين كانت السرعات التي تنجز بها العمليات على أجهزة الكمبيوتر متواضعة، وكانت أي محاولة لمضاعفتها نجاحا نهلل له. اليوم يجري الحديث عن أجهزة رقمية تحاكي الدماغ، وعن دماغ كمّي يحوّل أجهزة الكمبيوتر المكتبية إلى أجهزة تضاهي في سرعتها الأجهزة العملاقة. فما ظنناه حتى اليوم تتويجا لجهود العلماء والباحثين ليس سوى نقطة انطلاق. فأيّ “عالم شجاع” وذكي ينتظرنا؟ في عام 1931 تناول الكاتب والشاعر الانجليزي ألدوس هكسلي قصة الحياة في المستقبل، حيث يسيطر العلم على البشر، متحدثا عن “عالم جديد شجاع” عالم ينتج فيه الأطفال في المخابر بوظائف محددة، في مجتمع الكل به سعيد، لكنه مجتمع تنعدم فيه الحريات.

عبّر ألدوس في الرواية التي نشرت عام 1932 عن خوفه من سيطرة العلم على حياة الناس، مصورا مدينة العلماء الفاضلة بكل ما فيها من مساوئ. وتنبّأ بأن العلم سوف يصل بنا إلى حدّ الاستغناء عن الزواج وتكوين الأجنة في القوارير بطريقة علمية بدلا من تكوينها في الأرحام. العالم الجديد ينكر الفردية والاختلاف الشخصي. وشعاره الذي يطالعك به الكتاب في الفصل الأول هو “الجماعة، التشابه والاستقرار”. والعالم الجديد تهمّه السعادة أكثر ممّا تهمّه المعرفة. إذا أردت شيئا فإنك لا تسعى إليه، يكفيك أن تضغط على زرّ أو تدير مقبضا ليكون لك ما تريد.

ليس مجرد خيال

هل يبدو هذا الحديث مألوفا اليوم؟ بالتأكيد نعم. ما اعتبره الناس مجرّد خيال علمي، أصبح حقيقة في عصر الذكاء الاصطناعي. لم يكن هكسلي الذي عرف بكتابته لسيناريوهات الأفلام لمنتجي هوليوود يتحدث عن محض خيال علمي. فأخوه هو السير جوليان هكسلي، عالم بيولوجيا تطوّري وأخصائي تحسين نسل بريطاني، يعتبر من أبرز داعمي نظرية الانتقاء الطبيعي لتشارلز داروين. أما أخوه الثاني فهو أندرو هكسلي أستاذ في البيولوجيا وحائز على جائزة نوبل. وجدّه توماس هنري هكسلي كان صديقا شخصيّا لداروين ومؤيدا قويّا لنظرية النشوء والتطوّر.

في هذه البيئة العلمية نشأ ألدوس، برعاية والده الكاتب والمحرر الصحافي. وما هو أكيد أن ما كتبه في “عالم شجاع جديد” لم يكن بالنسبة إليه محض خيال، بل نبوءة نحن شهود عليها اليوم. التطورات العلمية والتكنولوجية التي شهدها العالم منذ بداية التسعينات وحتى اليوم مذهلة بكل المقاييس، على الأقل بالنسبة إلى هؤلاء الذين كبروا في عالم لم يكن الهاتف الذكي وجهاز الكمبيوتر قد اخترعا فيه بعدُ. عالم كان الحديث فيه عن ذكاء اصطناعي مجرّد خيال.

في بداية التسعينات أصبح الكمبيوتر والموبايل جزءا من حياتنا اليومية، ومع بداية الألفية الثالثة أصبح الحديث عن الذكاء الاصطناعي مألوفا حتى بالنسبة إلى ساكني المناطق النائية. ما يظهر على السطح هو قمة جبل الجليد، والمخفي أكبر بكثير. ومتابعة ما يحدث من تطورات لن يصيبنا فقط بالدهشة، ولكن سيقطع أنفاسنا. كل الأخبار تشير إلى أننا ماضون في طريقنا إلى عالم ستبدو فيه نبوءات ألدوس متواضعة جدا.

خلال أسبوعين خرجت علينا جهات علمية بمئات الابتكارات الجديدة، معظمها يأتي في نسق التطور المتوقع، ولكن بعضها ثوري بكل المقاييس. نذكر ثلاثة منها قد يترتب عليها تغيير العالم كما عرفناه حتى الآن.

سرعة حاسوبية خارقة

في الولايات المتحدة توصل فريق بحثي يعمل في ​​مختبرات سانديا الوطنية إلى اختراع سيؤدي إلى إحداث ثورة في مجال الذكاء الاصطناعي، وذلك بابتكاره طريقة لاستخدام خوارزميات التعلم الآلي في إكمال حسابات علمية معقدة بسرعة تفوق سرعة المعالجة الحاسوبية العادية بأكثر من 40 ألف ضعف. في تقرير نشرته مختبرات سانديا على موقعها الإلكتروني قالت إن النتائج التي توصل إليها الفريق قد تؤدي إلى حدوث تسارع هائل في عمليات تطوير تقنيات جديدة في مجالات البصريات والفضاء وتخزين الطاقة والطب، كما أنها ستسهم في الوقت نفسه في توفير الأموال التي تنفقها المختبرات على تكاليف الحوسبة الباهظة.

وقد أُجريت الأبحاث بتمويل من برنامج علوم الطاقة الأساسية التابع لوزارة الطاقة الأميركية في مركز تقنيات النانو المتكاملة، وهو مرفق أبحاث تديره مختبرات سانديا الوطنية ومختبرات لوس ألاموس الوطنية بشكل مشترك. ونشرت النتائج قبل أسبوعين، في دورية المواد الحاسوبية.

يقول ديفيد أوكازابيان، عالم المواد الحاسوبية والذي ساعد في قيادة البحث “إننا نختصر دورة التصميم”، موضحا “أن معدلات تصميم المكونات في الوقت الحالي تفوق بشكل صارخ معدلات تصميم المواد التي نحتاجها لبنائها، ونحن نرغب في تغيير هذا الأمر. بمجرد تصميم أحد المكونات نودّ أن نكون قادرين على تصميم مادة متوافقة مع هذا المكون، دون الحاجة إلى الانتظار لسنوات طويلة، كما يحدث في العملية الحالية”.

أحد الأمثلة العملية التي أشار إليها الفريق هي تسريع عمليات المحاكاة الحاسوبية، حيث استخدم الفريق التعلم الآلي لتسريع عملية محاكاة حاسوبية تتنبأ بكيفية تأثير تغيير التصميم، مثل تعديل كميات المعادن في السبيكة، على مادة معينة. حاليا، قد يتطلب هذا المشروع إجراء الآلاف من عمليات المحاكاة، التي تستغرق أسابيع أو شهور أو حتى سنوات لتنفيذه. على الرغم من أن التعلم الآلي استُخدم سابقا لاختصار عمليات المحاكاة التي تحسب كيفية تغيّر التفاعلات بين الذرات والجزيئات بمرور الوقت، إلا أن دراسة مختبرات سانديا تقدم أول نتائج منشورة لاستخدام التعلم الآلي في تسريع عمليات محاكاة في المواد الكبيرة نسبيا، وهو الأمر الذي يتوقع الفريق أنه سيكون ذا قيمة عملية أكبر بالنسبة إلى العلماء والمهندسين.

وتشير مختبرات سانديا إلى أن العديد من الظواهر الطبيعية الأخرى، بما فيها تكوين البروتينات، تتبع أنماطا مماثلة. ويسعى الفريق العلمي الذي لم يختبر الخوارزمية بعدُ لمحاكاة تكوين البروتينات، إلى استكشاف هذا الأمر مستقبلا. في بريطانيا ابتكر باحثون في جامعة ساسكس طريقة لتشغيل أجهزة الكمبيوتر المكتبية بآلية الشحن التوربيني، لمنحها نفس القدرة التي تتمتع بها أجهزة الكمبيوتر العملاقة؛ التي تبلغ كلفتها عشرات الملايين من الدولارات، واستخدموا لذلك أحدث وحدات المعالجة الرسومية لمنح الكمبيوتر المكتبي القدرة على محاكاة نماذج الدماغ ذات الحجم غير المحدود تقريبا. ويأمل الباحثون الآن في تطبيق هذه التقنية على التعلم الآلي المستوحى من الدماغ البشري، حتى يتمكن من المساعدة في حل المشكلات التي تتفوق فيها الأدمغة البيولوجية.

يعتمد البحث على العمل الرائد للباحث الأميركي يوجين إيزيكيفيتش؛ الذي ابتكر طريقة مماثلة لمحاكاة الدماغ عام 2006، لكن في ذلك الوقت، كانت أجهزة الكمبيوتر بطيئة للغاية بحيث لا يمكن تطبيق هذه الطريقة على نطاق واسع؛ ما يعني أن محاكاة نماذج الدماغ واسعة النطاق لم تكن ممكنة حتى الآن إلا لقلة من الباحثين المتميزين للوصول إلى أنظمة الكمبيوتر العملاقة. البحث سيغيّر قواعد اللعبة بالنسبة إلى الباحثين في علم الأعصاب والذكاء الاصطناعي، الذين يمكنهم الآن محاكاة الدماغ على محطات العمل المحلية الخاصة بهم، كما يسمح أيضا للأشخاص خارج الأوساط الأكاديمية بتحويل أجهزة الكمبيوتر الخاصة بهم إلى أجهزة كمبيوتر عملاقة تستطيع تشغيل شبكات عصبية كبيرة.

دماغ كمّي

لكي يعمل الذكاء الاصطناعي بشكل فعّال، يجب أن يكون الكمبيوتر قادرا على التعرف على الأنماط الموجودة في العالم وتعلّم أنماط جديدة، وهذا ما تقوم به أجهزة الكمبيوتر الحالية عبر برامج التعلم الآلي؛ التي تتحكم في تخزين المعلومات ومعالجتها على محرك أقراص ثابت منفصل عن الكمبيوتر. وحتى الآن، عملت هذه التكنولوجيا، التي تستند إلى نموذج عمره مئة عام، بشكل كافٍ. لكن مع ذلك تبقى عملية غير فعّالة. الحل لهذه المعضلة قدمه باحثون من جامعة رادبود في هولندا، الذين اكتشفوا من خلال بناء شبكة من ذرات الكوبالت على الفوسفور الأسود، مادة تخزّن المعلومات وتعالجها وتكيّف نفسها مع المعلومات الجديدة بطريقة مشابهة للطريقة التي يعمل بها الدماغ. تخزين المعلومات في ذرة كوبالت واحدة، بجعل الذرة تنتقل بين قيمة 0 و1 بشكل عشوائي؛ مكنهم من إحداث نشاط مماثل لسلوك خلية عصبية واحدة.

بالإضافة إلى مراقبة سلوك الخلايا العصبية النشطة، تمكن الباحثون من إنشاء أصغر مشابك عصبية معروفة حتى الآن، ولاحظوا أن هذه المجموعات لها خاصية تكيّفية متأصلة، وعند تحفيز المادة على مدى فترة زمنية أطول، فوجئ الباحثون أن المادة كيّفت ردّ فعلها بناء على المنبهات الخارجية التي تلقتها؛ أي تعلمت من تلقاء نفسها. ويخطط الفريق الآن لتوسيع نطاق النظام وبناء شبكة أكبر من الذرات، بالإضافة إلى استكشاف مواد كمومية جديدة يمكن استخدامها. كما أنهم بحاجة إلى فهم سبب تصرف الشبكة الذرية على هذا النحو. يقول البروفيسور ألكسندر خاجتوريان؛ والذي قاد البحث “نحن في حالة يمكننا فيها البدء بربط الفيزياء الأساسية بمفاهيم في علم الأحياء، مثل الذاكرة والتعلم”.

نجاح الباحثين في النهاية في بناء آلة حقيقية من هذه المادة، سيمكنهم من بناء أجهزة ذاتية التعلم تكون أكثر كفاءة في استخدام الطاقة وأصغر حجما من أجهزة الكمبيوتر الحالية.

لنا أن نتخيّل الآفاق التي سيفتحها نجاح العلماء في ربط العلوم الفيزيائية بعلم الأحياء، التي لن تنتهي فقط بتأثيرات على الذاكرة والتعلم، كما يقول خاجتوريان، بل قد تُنهي المسافة بين الآلة والإنسان. ما كتبه ألدوس منذ 90 عاما لم يكن محض خيال علمي. علينا اليوم جميعا أن نستعد لـ”عالم جديد شجاع”.

صحيفة العرب-علي قاسم

شارك:

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *