في العلاقة الوظيفية بين الحرية والتنمية

الرئيسية » الأعمدة » تأملات فكرية » في العلاقة الوظيفية بين الحرية والتنمية

ربط عالم الاقتصاد البنغالي الحاصل على جائزة نوبل أمارثيا صن (( Amartya Kumar Sen في كتابه الهام “التنمية حرية” Development as freedom, Oxford, Oxford University Press, 1999))  بشكل وثيق بين الحرية والتنمية، منطلقا من كون هذه الأخيرة تمثل “عملية متكاملة للتوسع في الحريات الموضوعية والمترابطة معا” الأمر الذي يتناقض مع النظريات التي لا يتردد في وصمها بضيق الأفق، بفعل مطابقتها بين التنمية ونمو مجمل الناتج الوطني، أو زيادة الدخول الشخصية، أو التصنيع، أو التقدم التقاني، أو التحديث الاجتماعي.

فمع إقراره أن هذه العناصر تلعب دورا هاما في توسيع نطاق الحريات التي يتمتع بها أعضاء المجتمع، إلا أنه يشدد على أن الحريات تتوقف كذلك على محددات أخرى من قبيل؛ التنظيمات الاجتماعية والاقتصادية، والحقوق السياسية والمدنية ما دام الإنجاز التاريخي للتنمية “يتوقف بشكل كلي على الفعالية الحرة للشعب”.

لا شك أن النظر إلى التنمية في ضوء التوسع في الحريات الموضوعية من شأنه أن يوجه الأنظار إلى غايات تجعل التنمية حدثا مهما بدلا من مجرد التوجه إلى عدد من الوسائل التي تنهض بدور بارز في العملية التنموية. ولذلك تستدعي التنمية إزالة جميع موانع الحرية؛ من فقر، وظلم، وشح في الفرص الاقتصادية، إلى جانب الحرمان الاجتماعي المنظم، وكذا عدم التسامح أو المبالغة في حالات القمع.

كما يذهب أمارثيا صن إلى أن الحريات ليست الغايات الأساسية للتنمية فحسب، وإنما هي، فضلا عن ذلك، من وسائلها الرئيسية. ولذلك يدعونا، إلى جانب الإقرار بالأهمية القيمية للحرية، أن ندرك الرابطة التجريبية والوظيفية التي تربط الحريات على اختلاف أنواعها وتجعل بعضها يعزز البعض الآخر. ومع ذلك نجده يؤكد أن “الحرية السياسية والحريات المدنية مهمة بشكل مباشر في ذاتها، وليست بحاجة إلى تبرير غير مباشر في ضوء نتائجها على الاقتصاد.

كما يرى أن هناك سببان متمايزان للأهمية الحاسمة للحرية الفردية في مفهوم التنمية؛ أولاهما معياري يتم بموجبه تقييم نجاح مجتمع من المجتمعات، بشكل أساسي، بناء على الحريات الموضوعية التي يتمتع بها أبناؤه.. وثانيهما كون الحرية تشكل، أكثر من ذلك، المحدد الرئيسي للمبادرة الفردية والفعالية الاجتماعية..

ومن المقولات الأساسية في أطروحة أمارثيا صن حول الحرية في علاقتها بالتنمية، الدور التصحيحي الذي من شأنها أن تنهض به في مواجهة شتى الأزمات والاختلالات الاجتماعية. وفي هذا السياق، تلعب الحريات الأداتية من قبيل؛ الحوار المفتوح والمراجعة العامة من قبل المواطنين، والسياسة المرتكزة على نظام انتخابي ناجع، وإعلام حر ومسؤول.. دورا بارزا في تجاوز العديد من الأزمات والاختلالات الاجتماعية.. وتفسير ذلك؛ أن “التاريخ العالمي لم يشهد مجاعة، على سبيل المثال، في ظل ديمقراطية حقيقية فاعلة، سواء أكانت ديمقراطيات غنية أم فقيرة نسبيا”.

وغير بعيد عن هذا الربط بين الحرية والتنمية، ورغم ما يعانيه عالمنا العربي الإسلامي من مصاعب، إلا أن هناك توجها متناميا في الثقافة العربية  الإسلامية يربط، بشكل وثيق، بين مقومات الحرية والعدل والتنمية الاجتماعية والاقتصادية، على تفاوت نسبي في ترتيب الأولويات بينها. وهو ما من شأنه أن يقود إلى إرساء أسس نموذج عربي في “الحكم الصالح ذي نزعة إنسانية قوامها الحرية والإبداع والعدل والرفاهية والكرامة والنزاهة والخير العام” يتجاوز المفهوم الليبرالي الضيق المرتبط بالتجربة الغربية، الذي يقصر الحرية على الحقوق والحريات المدنية والسياسية ويربطها بفكرة المواطنة والديمقراطية، ويتبنى مفهوما أشمل للحرية ” يضيف إلى الحريات المدنية والسياسية، التحرر من جميع أشكال الحط من الكرامة الإنسانية مثل الجوع والمرض والجهل والفقر والخوف. ليتسع لكامل محتوى منظومة حقوق الإنسان؛ أي للحريات المدنية والسياسية بالإضافة إلى الحقوق الاجتماعية والاقتصادية، والثقافية والبيئية.

شارك:

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.