الرهاب الاجتماعي.. خوف لا وجود له في الواقع

الرئيسية » حياة وبيئة » الرهاب الاجتماعي.. خوف لا وجود له في الواقع

من الطبيعي أن نشعر ببعض القلق أو التوتر عندما تضطرنا ظروفنا وأعمالنا إلى أداء مهمة أو قول شيء ما أمام جمع من الناس. هذا التوتر بكمية محدودة قد يدفعنا إلى بذل أفضل طاقاتنا لإرضاء الآخرين والحصول على إعجابهم، لكن الزيادة الكبيرة في مستوى التوتر قد تشل المصاب بهذه المشكلة، وتجعله غير قادر على أداء ما يريد أداءه أمام الآخرين أو قد يجد صعوبة كبيرة إذا حاول ذلك. مثلا قد يشعر بزيادة التعرق ورجفة اليدين وزيادة في ضربات القلب وصعوبة في التنفس. الأسوأ من هذا كله هو إحساسه العميق بأن الآخرين سيُقيِّمونه بشكل سلبي وسينتقدونه بطريقة يصعب عليه تحملها.

تعريف الرهاب الاجتماعي  : Social Phobia

الرهاب عبارة عن خوف غير طبيعي (مرضي) دائم وملازم للمرء من شيء غير مخيف في أصله، وهذا الخوف لا يستند إلى أي أساس واقعي، ولا يمكن السيطرة عليه من قبل الفرد، رغم إدراكه أنه غير منطقي، ومع ذلك فهو يعتريه ويتحكم في سلوكه، هو شعور شديد بالخوف من موقف لا يثير الخوف نفسه لدى أكثر الناس، وهذا ما يجعل الفرد يشعر بالوحدة، والخجل من نفسه، ويتهم ذاته بالجبن وضعف الثقة بالنفس والشخصية، فهو إذن عبارة عن اضطرابات وظيفية أو علة نفسية المنشأ لا يوجد معها اضطراب جوهري في إدراك الفرد للواقع.

مظاهر وصور الرهاب الاجتماعي :

من مظاهره الخوف المستمر الذي قد يرافقه أعراض أخرى، كالصداع وألم الظهر واضطرابات المعدة والإحساس بالعجز، والشعور بالقلق والتوتر، وخفقان القلب، والشعور بالنقص، وتصبب العرق، واحمرار الوجه، وتوقع الشر، وشدة الحذر والحرص، أو التهاون والاستهتار، والاندفاع وسوء التصرف، والإجهاد، والإغماء، وزغللة النظر، والدوار، والارتجاف، والتقيؤ، والاضطراب في الكلام، والبوال أحيانا، والعزلة، والانغماس في الاهتمامات الفردية لا الجماعية، كما أن من ظاهره التصنع بالشجاعة والوساوس والأفعال القسرية، وأحيانا الامتناع عن بعض مظاهر السلوك العادي، وخوف الفرد من الوقوع في الخطأ أمام الآخرين، كما يزداد خوفه كلما ازداد عدد الحاضرين – وليست كثرة الناس شرطا لحدوث الرهاب الاجتماعي إذ انه يحدث الرهاب للفرد عند مواجهة شخص واحد فقط – وتزداد شدة الرهاب ،كلما ازدادت أهمية ذلك الشخص، كحواره مع رئيسه في العمل مثلا ..، وليس بالضرورة أن تكون كل هذه المظاهر، تصاحب كل حالة رهاب، ولكن تتفاوت بحسب الحالة ودرجة الرهاب، وعمر الحالة، وطبيعة البيئة التي يعش فيها الفرد.

وقد يوجد بعض المصابين بهذا العرض، يتشبث بصحبة شخص معين بالذات، كأمه أو أبيه أو صديقه، والمريض الغني الخائف من الموت يتشبث بوجود طبيب دائما إلى جواره، ومعه العلاج المناسب لكي يقي نفسه خطر الموت كما يتصور.

كما قد يكون الرهاب معطلاً للنشاط ،فيمتنع المصاب به عن الذهاب إلى العمل أو المدرسة لعدد من الأيام، كما أن كثيرا ممن يعانون من الرهاب الاجتماعي، يقضون وقتاً صعباً في ابتداء الصداقات أو المحافظة عليها.

ويمكن القول – بصورة عامة – أن هذا الاضطراب المزمن، يعطل الفرد وطاقاته، في مجال السلوك الاجتماعي، فهو يجعله منسحباً منعزلاً خائفاً، لا يشارك الآخرين، ولا يستطيع التعبير عن نفسه، كما يصبح أداءه المهني أو الدراسي أقل من طاقاته وقدراته، إضافة إلى ذلك، فإن المعاناة الشخصية كبيرة، والمصاب به ويتألم من خوفه وقلقه ونقصه، وقد يصاب بالاكتئاب وأنواع من القلق والسلوك الإدماني .. ونحو ذلك .

أسباب الرهاب الاجتماعي:

ليس هناك سبب محدد بعينه، ولكن وجود استعداد في الشخصية، مع أساليب تنشئة وتربية خاطئة قائمة على التوبيخ واللوم المبالغ فيه، قد تقود لمثل هذا العَرَض، وقد يكون الشعور بالإثم – كما يشير بعض الباحثين – ينعكس على شكل خوف أو فزع في الأفعال أو الأعمال من بعض الأمراض، أو خوف العواصف والرعود والحروب والزلازل، وقد يكون بسبب فعل منعكس عزز منذ الطفولة فعمم الفرد تلك الخبرة على مواقف مشابهة أو غير مشابهة لذلك الموقف السابق.

وهذا الاضطراب يظهر مبكراً، في سن الطفولة، أو بداية المراهقة، حيث وجدت دراسات مختلفة، أن هناك مرحلتين يكثر فيهما ظهور هذا الاضطراب: مرحلة ما قبل المدرسة على شكل خوف من الغرباء، و المرحلة الأخرى ما بين سن 12-17سنة على شكل مخاوف من النقد و التقويم الاجتماعي والسخرية، وهو مما يتصف به المراهق عادة.

و بالرغم من أن الإصابة بالرهاب الاجتماعي ، تحدث في هذه المراحل المبكرة، إلا أنه يعتبر أيضاً من الاضطرابات النفسية المزمنة، والتي قد تستمر عشرات السنين إذا لم تعالج، خاصة أن بعض المصابين بالرهاب الاجتماعي- حتى مع علمهم بهذه الحالة – قد يتأخرون في طلب المساعدة والعلاج سنين عديدة، إما بسبب خجلهم من الحالة نفسها، أو خوفاً من مواجهتها و الاعتراف بوجودها.

ولعل سبب كثرة انتشاره، في مجتمعنا العربي، يرجع إلى أساليب التنشئة الأسرية والتعليمية الخاطئة في مراحل الطفولة، حيث يعمد الأب إلى طرد ابنه من المجلس (صالة الضيوف)، بحجة أنه مازال صغيرا، ولا ينبغي له الجلوس مع الكبار!! فهذا عيب، كما ينهره حين التحدث أمام الكبار، فهذا من قلة الأدب، كما أن الرجل لا يصطحب معه طفله، في المناسبات الأسرية والاجتماعية، لأن هذا عيب، إذ كيف يحضر أطفاله، مع الضيوف والكبار ؟!! إنه عيب اجتماعي كبير !!، ومنها زجر الطفل بكلام قاس وشديد وبصوت مرتفع حينما يخطئ ولو بشي تافه، ومنها نهر الابن حينما يخطئ في صب القهوة والشاي للضيوف … الخ، وما يقال عن الأب، يقال عن الأم مع بناتها وأطفالها، إلا أن هذه الأساليب الخاطئة، بدأت تختفي تدريجيا ولله الحمد، لكنها لا تزال بصورة أو بأخرى موجودة في الأرياف.

كذلك من أسبابها ما يحصل في المواقف التربوية المدرسية، حين يعمد المعلم أو المعلمة، إلى تعنيف الطالب أو الطالبة، حين يتطوع للإجابة ويخطئ أو تخطئ الإجابة، بل وجعل زملائه وزميلاتها أحيانا يسخرون منه أو منها ببعض الحركات التهكمية، وبالتالي يحجم أو تحجم عن لمشاركة في المناقشة فيما بعد، حيث نعاني من قلة المشاركة، من قبل طلبة وطالبات الكلية، ولعل هذا من الأسباب !!

ومنها أسلوب المعاملة، والذي يغلب عليها لتحقير والإهانةة ، حين يقدم الابن أو البنت، في المبادأة في عمل أو إنجاز، أو طرح فكرة مشروع أو رأي، ونحو ذلك فيقابل بهذا الأسلوب من قبل الكبار، سواءً كانوا آباء أو أمهات أو معلمين ومعلمات !!

ومنها أساليب التحذير المبالغ فيها، للبنين والبنات، من أمور شتى، ومنها استخدام الأساطير، المشتملة على مواقف مرعبة ومخيفة، ومنها استخدام الرموز الافتراضية، لأجل كف أو منع أو تهديد الأطفال من بعض المواقف، مستخدمين في ذلك مثل هذه الرموز (اللص، العفريت، الجني … الخ )

ومنها ظروف البيئة المنزلية، وما يكتنفها من مشاجرات، وخصام وسباب وشتيمة، بين أفراد الأسرة، ويزداد الأمر سوءا، حين يكون بين الأبوين وأمام الأطفال، فيخرج الطفل من هذه البيئة، وهو يشعر بتصور عن العالم من حوله، أنه ملئ بالمشكلات والتهديد، فينعكس على شخصيته المتوجسة للخوف، والتي تعيش هاجسه، في بيئة فقدت الأمن، وبالتالي كَثُر الهم والحزن، ولذا نجد أن الله جل وعلا، نفى عن عباده الصالحين، كلا النوعين في يوم القيامة، في أكثر من خمسة عشر موضعا، قال تعالى: “فَمَن تَبِعَ هُدَايَ فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ” البقرة 38.

وترجع مدرسة التحليل النفسي الرهاب، باعتباره تعبير عن حيلة دفاعية لاشعورية، حيث يحاول المريض عن طريق هذا العَرَض، عزل القلق الناشئ من فكرة أو موضوع أو موقف مرَّ به في حياته، وتحويله إلى موضوع رمزي، ليس له علاقة بالسبب الأصلي، والذي غالبا يجهله المريض، فالرهاب إذن عبارة عن عملية دفاع، لحماية المريض من رغبة لا شعورية عدوانية أو مستهجنة في الغالب.

الأساليب العلاجية والوقائية :

تتنوع أساليب العلاج وتعدد، وهذا يتوقف على نوع الرهاب وطبيعته ودرجته، فهناك العلاج السلوكي، ويقوم هذا النوع على إطفاء الشعور بالخوف عن طريق الممارسة السلبية أو الإغراق أو الكف المشترك، ويمكن المعالجة بالتعريض التدريجي للموقف المثير بحيث تتكون لديه ثقة في الشيء الذي يخاف منه، وذلك بأن يُجعل المريض في حالة تقبل واسترخاء ثم يقدم الشيء المثير تدريجيا مع الإيحاء والتعزيز، ومع المثابرة والتكرار يتعلم المريض الاطمئنان للشيء الذي كان يخافه، وهناك طريقة التخدير ثم التدرج في غرس عادة جديدة، ومن الأساليب أسلوب الإغراق أو الطوفان، حيث يقوم هذا الأسلوب، على مواجهة المريض، بأكثر المواضيع إثارة، حتى ينكسر الوهم، بالمواجهة لا بالتدريج ، لكن لهذا الأسلوب – بحسب نوع وطبيعة الحالة – بعض الآثار السلبية .

ومن الأساليب التوجيه الإيحائي ، بصورة فعالة وإيجابية ،مما يؤدي إلى نتائج أفضل من العلاج السلبي العادي ، ومن الأساليب العلاج الدوائي ،ودور العقاقير هنا ، هو إزالة أو تخفيف الفزع قبل حدوثه ، ويستخدم مع بعض الحالات ،قبل تطبيق العلاج السلوكي ، وإلا فلا يوجد عقار، يقطع حالة الخوف ، كما هو تأثير العلاج في الأمور العضوية .
وهناك وسائل وقائية ، مثل منع مثيرات الخوف ،والحيلولة دون تكوين خوف شرطي أو استجابة شرطية ، ومن ذلك عدم إظهار القلق على الأولاد ، حين تعرضهم لموقف مثير للخوف ، مع العمل بكل هدوء – ما أمكن ذلك – لشرح طبيعة ذلك الموقف ، ومن ذلك أيضا التقليل من المبالغة في النقد والتحقير والاستهزاء، وكذلك عدم إظهار خوف الكبار أمام أطفالهم لئلا ينتقل لهم هذا الخوف عن طريق التقمص والتقليد ، ومنها تعويد الطفل على النظر للجوانب الإيجابية وعدم التركيز على الأخطاء فقط، ومنها تدريب الطفل منذ الصغر على مواجهة المشكلات ومحاولة حلها ومساعدته في ذلك بالتوجيه والتسديد .

(بتصرف عن المنتديات)

شارك:

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *