الخوارزميات تكشف أسرار الجينوم وتفهم ما عجز عن فهمه البشر

الرئيسية » حياة وبيئة » الخوارزميات تكشف أسرار الجينوم وتفهم ما عجز عن فهمه البشر

قبل عقد واحد كان فك شفرة الحمض النووي بسرعة فائقة، وهندسة الأنسجة، وإعادة البرمجة الخلوية، والتعديل في الجينات محض خيال علمي، أمّا الآن فقد صار واقعا. في المعهد القومي للسرطان بالولايات المتحدة، استطاع باحثون علاج امرأة مريضة بسرطان الثدي عبر علاج تجريبي باستخدام الخلايا المناعية الخاصة بها لمهاجمة أورامها، وذلك عن طريق تحليل حمضها النووي لإيجاد الطفرات، ثم استخلاص الخلايا المناعية، واختيار الخلايا التي تعرفت على العيوب الجينية للورم، ثم استنساخ مليارات منها في المعمل، وإعادة إدخالها إلى المريضة.

وفي المستقبل القريب قد يغدو من الممكن التنبؤ بمخاطر الإصابة بالسرطان وأمراض القلب وغيرها قبل سنوات من حدوث المرض، وأيضا تغيير الجينات في الأجنة للقضاء على الأمراض الموروثة. لكل شخص منّا خصائص وراثية مميزة ذات تأثير كبير ومباشر في صحتنا، لذا يقوم هذا الأسلوب العلاجي بفك الشفرة الوراثية الخاصة بالمريض، ومقارنتها بالشفرة السليمة، ومن ثم تحديد مواضع الطفرات، وتوفير علاج يتوافق مع المحتوى الجيني الخاص بالمريض.

لا يوفر هذا النهج الوقت والمال وحسب، بل يزيد أيضا من جودة حياة المرضى، ويعمل على إطالة أعمارهم بالكشف المبكر عن المرض بتحديد الطفرات المبكرة في الجينات، فهو يركز بشكل أساسي على الطب الوقائي واتخاذ خطوات استباقية، بدلا من الانتظار حتى يتطوّر المرض لاتخاذ رد فعل. كما يقلل من الحاجة إلى تجربة علاجات كثيرة والتعامل مع المشكلات الكامنة، وبالتالي يقلل من الآثار الجانبية الضارة، ويزيد من فاعلية العلاجات الحالية، حيث يختار الطبيب الدواء المناسب بناء على الملف الوراثي الخاص بالمريض، كما يفتح الباب أمام شركات الأدوية لتطوير علاجات تستهدف الجزيئات.

ومن أجل التطبيق الفعال لنهج الطب الشخصي، يتعين على شركات الأدوية تطوير أدوات تشخيصية جديدة تساعد في فحص المحتوى الجيني للمرضى بشكل أكثر دقة. وبمرور الوقت تثبُت أهمية ما بات يطلق عليه اليوم بـ”مُعامل التباين الفردي”، الذي يلعب دورا هاما في إثراء التأثير المُصاحب لمعظم الطرق العلاجية؛ فبتنا بحاجة شديدة إلى الطب التشخيصي القائم على أُسس فردية بصورة مستقلة، أكثر من أيّ وقت مضى. ومن هنا كانت الحاجة إلى تطوير برامج حوسبة تستند إلى تقنيات الذكاء الاصطناعي. فقد ساهمت الخوارزميات الحاسوبية في فحص وتحليل قواعد بيانات جينية دون تدخل بشري؛ بغرض التنبؤ بأمراض كالسرطان، أو توصيف طرق علاجية معينة دون غيرها للوصول إلى أعلى النتائج الممكنة.

ويقول إريك توبول، أستاذ العلوم الطبية الجزيئية، نائب الرئيس التنفيذي والمؤسس لمعهد “سكريبز” البحثي للعلوم الانتقالية “نحن بحاجة إلى تطوير تطبيقات حاسوبية لمساعدة علماء البيولوجيا الجزيئية في فهم ما عجز عن فهمه الجنس البشري، واتخاذ القرارات الصائبة عند التوصية ببعض الطرق العلاجية للمريض”. والطب الجيني (طب الجينوم) هو مجال طبي ناشئ يتضمن استخدام المعلومات الجينية للشخص كجزء من الرعاية السريرية، لاتخاذ القرارات التشخيصية أو العلاجية، والنتائج الصحية والآثار المترتبة على هذا الاستخدام السريري. ويلعب طب الجينوم اليوم دورا هاما في مجالات؛ الأورام السرطانية، والصيدلة، والأمراض النادرة وغير المشخصة، والأمراض المعدية.

وتعتمد تقنيات الذكاء الاصطناعي الجينومي على تعلم الآلة، عن طريق إدراج بيانات كل مريض على حدة. وتشمل المدخلات قواعد بيانية جينية وعوامل الأثر البيئي الواقع على المريض. وحاليا تستقطب تقنيات الذكاء الاصطناعي الجيني انتباه الباحثين، ورواد الأعمال والصناعة.

في عام 2011 بدأ العمل في شركة “صوفيا جينتكس” بسويسرا، لإبراز دور العلم التشخيصي القائم على البيانات الفردية. فبعد جمع العينات وفحص تتابعاتها الجينية داخل المستشفيات، يتمّ تحويل البيانات إلى منصة الذكاء الاصطناعي التي تعتمد على التحليلات الإحصائية، وأنظمة التعرّف النمطي للتتابعات الجينية، ويليها استنباط أثر المحتوي الجيني وعلاقته بالمرض، ومن ثَمَّ يقع إرسال التوصيات المناسبة لكل حالة إلى الأطباء المعالجين.

ويقول كيفين بيوليرت، المدير العام لقطاع الشركة بأميركا الشمالية إن الحصول على نظام حاسوبي ذكي وفعال “يستلزم وجود أنماط جينية متنوعة وغير مُكررة، تعمل بوصفها وحدات بنيوية؛ وذلك لإنجاز خوارزمية دقيقة، وذات كفاءة عالية”. ونجحت الشركة في اجتذاب قرابة 1000 معهد بحثي، من 81 دولة مختلفة حول العالم، ونتج عن ذلك فحص أكثر من 380 ألف محتوى جيني.

على الرغم من أن الفكرة لا تزال في المهد، وتأمل الشركة في “بناء مكتبة بيانات طبية جزيئية، تكون الأضخم على الإطلاق على مستوى العالم”. ويقوم الفريق داخل الشركة باستقبال وتحليل العينات؛ ومن خلالها تمّ التنبؤ ببعض الأمراض، وتقديم مقترحات علاجية محددة لاستهداف الأورام السرطانية. وفي أواخر عام 2017 حصلت الشركة على موافقة هيئة الغذاء والدواء للقيام بالحملات التسويقية لبعض منتجات الشركة، التي تساهم في الكشف عن أسباب 324 طفرة جينية؛ ومن بينها رصد البصمات الجينومية المسببة لبعض الطفرات المصاحبة للأورام.

صحيفة العرب

شارك:

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *