الجرافين .. مستقبل الإلكترونيات

الرئيسية » إعلام وتكنولوجيا » الجرافين .. مستقبل الإلكترونيات

الجرافين .. مستقبل الإلكترونيات

تمكن الباحثون في جامعة ويسكونسن في ماديسون بالولايات المتحدة، وفي مركز أرجون للمواد النانوية في وزارة الطاقة الأمريكية من تطوير شرائط جرافين ذاتية التوجيه فوق سطح مادة الجرمانيوم الكربونية أحادية الذرة شبه الموصلة، والتي استخدمت على نطاق واسع بديلاً عن السيلكون في صنع الترانزستورات والأجهزة الإلكترونية الأخرى التي تعتمد في عملها على أشباه الموصلات.
وسوف يحدث ابتكار هذه الشرائط ثورة في مجال الدوائر الكهربائية، فسوف يمكن التحكم في مسارات شرائط الجرافين النانوية فوق سطح بلورة الجرمانيوم شبه الموصلة.

بفضل خواص الجرافين الإلكترونية، تمكن العلماء من اختبار النظريات المرتبطة بمعجلات الجسيمات، وصعوبة استخدامه في صناعة الترانزستور بسبب وقوعه بين المعادن وأشباه الموصلات، وفى العام 2010، نجح العلماء في إنتاج الجرافين، فكان من الطبيعي استخدام الكربون محل السيلكون في الجيل التالي من أجهزة الكمبيوتر والإلكترونيات الدقيقة، ما يزيد سرعتها وكفاءتها.

وخواص الجرافين الإلكترونية تثير اهتمام العلماء، حيث تتيح لهم أرضية لاختبار النظريات الغريبة في مجال فيزياء الكم والمرتبطة بمعجلات الجسيمات.

ويعتبر الجرافين أقوى وأصلب مادة تم اكتشافها حتى الآن، فقوته تفوق الفولاذ ب 300 مرة، والماس ب 40 مرة، كما أن كفاءته كمادة موصلة للحرارة والكهرباء، أفضل من كفاءة النحاس ب 1000،000 مرة، وهو مادة شفافة عالية الكثافة ثنائية الأبعاد تتكون من الكربون، ويتميز بخواص فائقة وتشبه ذراتها الكربونية بيوت النحل المتراصة، ولعل أبرز مزاياه سرعة إلكتروناته غير العادية، التي قد تصل إلى 44000 سم²/ث.ف، وتشكل ذراته الكربونية روابط تساهمية في مستوى واحد.

وعندما يحول الجرافين إلى الشكل الكروي نحصل على كرات، إذا طويت في أشكال أسطوانية نحصل على الأنابيب النانوية الكربونية، وبوضع عدد كاف من شرائح الجرافين فوق بعضها البعض نحصل على الجرافيت، كما أن تقطيع الجرافين إلى قطع صغيرة ينتج الشرائط النانونية.

وبفضل مرونته الفائقة وقوته وشفافيته، بات الجرافين أساسياً في تصنيع شاشات اللمس، ولوحات الإنارة، والخلايا الضوئية، كما يمكن استخدامه في صناعة مجسات الغاز والإلكترونيات ذات المرونة العالية والقابلة للطي، وبالتالي في تصنيع بعض أجزاء الطائرات والأقمار الصناعية، كما أنه يستخدم في تطوير البلاستيك، فإضافة بعض منه بنسبة بسيطة، يزيد من مرونة البلاستيك، ويعزز قدرته على تحمل الحرارة، ويزيد من كفاءته في توصيل الكهرباء.

وأكثر التطبيقات التي سيستخدم فيها قريباً البطاريات الكهربائية، بما له من قدرة على زيادة فعاليتها، وتعد بودرة الجرافين أفضل من الأنابيب النانوية الكربونية، بسبب رخص ثمنها.
يقول بريان كيرالي من مركز أرجون «أراد بعض الباحثين تصنيع الترانزستورات من مواد غير أنابيب الكربون النانوية، وكانت العقبة التي أعاقت تحقيق رغبتهم مشكلة توسع حجم الأنابيب في جميع الاتجاهات بكافة أنواعها، ويتركز الابتكار الجديد في قدرة الباحثين على تكبير حجم هذه الأنابيب عبر مسارات الدائرة الكهربائية التي تعتمد عليها جميع الأجهزة في عملها».

واستخدم باحثو جامعة ويسكونسن عملية ترسيب الأبخرة الكيميائية لتكبير حجم شرائط الجرافين النانوية فوق بلورات الجرمانيوم، حيث يتم خلال العملية تمرير مزيج من غازات الميثان، والهيدروجين، والأرجون داخل فرن كهربائي مخصص لتجميع وتنقية المركبات غير العضوية، وتحلل غاز الميثان داخل الفرن إلى ذرات كربونية استقرت فوق سطح الجرمانيوم لتتكون بذلك طبقة متجانسة من الجرافين. وبعد ضبط إعدادات الغرفة، تمكن الباحثون من السيطرة التامة على المادة.

يقول مايكل آرنولد، أستاذ مشارك متخصص في علم المادة والهندسة في جامعة ويسكونسن في ماديسون: «ما اكتشفناه هو أنه عندما ينشط الجرافين فوق الجرمانيوم تتكون تلقائياً شرائط النانو بحواف تبادلية ناعمة، ومن الممكن أن تكون الشرائط ضيقة للغاية، إلا أن أطوالها ممتدة جداً، ومن ثم، فإننا نتحصل على ما نتمناه من خواص لهذه الشرائط أتوماتيكياً باستخدام التقنية الجديدة».
ويعرف عن إلكترونات ذرات الكربون في الجرافين أنها تتحرك فوق السطح بسرعة الضوء من دون أن تتداخل، وبفضل هذه السرعة، يمكن تصنيع أجهزة إلكترونية تعمل بسرعة عالية وتوفر مزيداً من الطاقة في الوقت ذاته، بحسب أرنولد.
وللتثبت من نتائج أبحاثهم، تناقش باحثو الجامعة مع عالمين في قسم مواد النانو في مركز أرجون بريان كيرالي، وناسان جيزينجر، ويقول جيزينجر«يتمتع قسم مواد النانو بإمكانات هائلة، فالقسم ليس مصمماً فقط للعمل على كل أنواع المواد بدءاً بالمعادن وانتهاءً بالأوكسيدات، ولكن نستطيع أيضاً إكساب المواد مواصفات خاصة، وتوليفها، وزيادة حجمها».
وباستخدام جهاز المجهر النفقي الماسح، الذي يستخدم الإلكترونات بدلاً من الضوء أو العين المجردة، لرؤية خواص عينة من المادة، أكد الباحثون تنامي حجم شرائط الجرافين فوق الجرمانيوم، وأتاحت البيانات التي جمعوها حول بصمات الإلكترونات، للباحثين رسم صور لأبعاد المادة واتجاهاتها، وعلاوة على ذلك، تمكنوا من تحديد هيكلها التمددي ومدى تناثر الإلكترونات خلالها.
يقول كيرالي « نبحث في الخواص الفيزيائية الأساسية لاكتشاف الخصائص الإلكترونية المميزة للجرافين، وما أثار دهشتنا زيادة حجم شرائط النانو وتمددها في اتجاهات بعينها فوق جانب بعينه لبلورة الجرمانيوم، وليس على أي من الجانبين الآخرين.
وللاستفادة من التقنية الجديدة في تصنيع الأجهزة الإلكترونية، تركز صناعات أشباه الموصلات في ثلاثة أسطح لبلورة الجرمانيوم. وتصور هذه الأسطح الثلاثة وفقاً للإحداثيات X,Y,Z، حيث ترتبط ذرات فردية ببعضها بعضاً في شكل شبكي يشبه تركيبة الماس، فبعد كل من أسطح البلورة 1,1,1، بمحاور مختلفة وهي 1,1,0، و 1,0,0.
وأظهر بحث سابق قدرة رقائق الجرافين على زيادة حجمها فوق أسطح بلورة الجرمانيوم 1,1,1، و1,1,0، وكانت تلك المرة الأولى التي تثبت أي دراسة، تمدد حجم شرائط الجرافين فوق السطح 1,0,0.
وفي الوقت الذي يطور فيه الباحثون أبحاثهم، يدرسون أيضاً السبب في تمدد شرائط الجرافين النانوية ذاتية التوجيه فوق السطح 1,0,0، وتحديد ما إذا كان هناك تفاعل خاص بين الجرافين والجرمانيوم يمكن أن يكون له دور ما.
ومما لاشك فيه فإن الانتشار الواسع للأجهزة الإلكترونية في العصر الحالي ما هو إلا نتيجة لتطوير رقائق مواد أشباه الموصلات التي تتمتع بتماثل استثنائي في شكلها الفراغي، ومكنت هذه الرقائق العلماء من تصنيع دوائر متكاملة فعالة، لأن كل ترانزستور من مليارات الترانزستورات التي تتكون منها الدوائر يسلك سلوكاً فيزيائياً يمكن توقعه، ووجد أن الاختلافات في الأداء بين الأجهزة المصنوعة بتقنية دوائر أشباه موصلات متكاملة صغيرة جداً، وأقل كثيراً من أي اختلافات في الأداء بين الأجهزة القائمة على أي تقنية أخرى.

وأدّى تصغير الترانزستورات على مدار السنوات الفائتة إلى جذب أنظار الباحثين إلى قضية الحد الأدنى لحجم الترانزستورات، وهي الأجهزة الإلكترونية المصنوعة بسمك معين على المقياس الذري، وبالفعل وصل الباحثون في مختبرات الأبحاث إلى هذا الحد الأدنى بتصنيع نماذج أولية تجريبية من مواد شبه موصلة رقيقة سمكها بالمقياس الذري1، بيد أنه لا يمكن تصنيع هذه الدوائر المتكاملة باستخدام هذه الأجهزة، إلا إذا توصل العلماء إلى كيفية تمديد المواد الرقيقة بالمقياس الذري بشكل متماثل على مساحات سطحية كبيرة. وتمكن العلماء من بلوغ ذلك التمدد المتماثل على مقياس رقاقة، بحجم سنتيمترات مربعة، وكانت من أكثر فئات الرقاقات الواعدة من أشباه الموصلات ثنائية الأبعاد.

وعلى الرغم من أن النتائج التي حققها الباحثون تشكل قفزة كبيرة إلى الأمام في أبحاث أشباه الموصلات الرقيقة ذات سمك المقياس الذري، إلا أنه هناك مشاكل تقف حجر عثرة أمام العلماء، ولابد من حلها قبل تطبيق النتائج عملياً، ومن هذه المشاكل مثلاً، ظروف التمدد المثالية التي تتطلب الحفاظ على درجة حرارة قدرها 550 درجة مئوية على مدار 26 ساعة، وهي درجة حرارة مرتفعة جداً، وبالتالي لا يمكن استخدامها في تصنيع الطبقات البلاستيكية المرنة المتاحة حالياً، ومن ثم فهناك حاجة إلى عملية أخرى تعمل عند درجات حرارة منخفضة.

ويفتح شبه الموصل ثنائي الأبعاد الذي طوره الباحثون فرصاً كبيرة لتصنيع أجهزة ودوائر كهربائية جديدة ومتطورة وذات كفاءة أعلى من ترانزستورات تأثير المجال التقليدية.

أشرف مرحلي – جريدة الخليج

شارك:

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *