التقنيات الحديثة تُغيّر أساليب الحياة في مدن المستقبل

الرئيسية » حياة وتكنولوجيا » التقنيات الحديثة تُغيّر أساليب الحياة في مدن المستقبل

يعيش حالياً أكثر من نصف سكان العالم في المدن، ويحلم المزيد من الأشخاص بالانتقال إلى المناطق الحضرية؛ باعتبارها أفضل من حيث الخدمات الصحية والمرافق العامة، كما تتيح فرصاً أحسن للتعليم والعمل والترفيه، ومن المتوقع بحلول عام 2030، أن يعيش ستة من كل 10 أشخاص حول العالم، في المدن.

ومنذ عقود طويلة، تواكب تضاعف عدد سكان المدن مع تسارع وتيرة المعاملات الاقتصادية والاجتماعية بين سكانها، حتى أن الأستاذ في كلية «ترينيتي» الإيرلندية، إيان روبرتسون، وجد أن سكان المدن الكبيرة يمشون بمعدل أسرع.

ويُضاف إلى الطبيعة السريعة للحياة المدنية، تأثيراتها العديدة التي تطول البيئة والاقتصاد والخدمات، جنباً إلى جنب مع تأثيرات اجتماعية منها انطواء الأفراد، وتراجع دور الأحياء السكنية. ومع ذلك، فإنه يمكن للتقنيات الحديثة ووسائل الاتصالات، على غير المتوقع، أن تُسهِم في إعادة جزء من المكانة السالفة للأحياء في الاقتصاد والعمل والتواصل الاجتماعي، وأن تُؤثر في تبادل السلع والخدمات في المستقبل، وربما تجعل من المدن أماكن أكثر أمناً وإمتاعاً.

ولا يُعتبر تأثير التقنيات الحديثة على المدن أمراً جديداً، إذ أسهمت كل وسيلة نقل أو اختراع جديد، في تغيير حياة سكان المدن؛ فخلّف استخدام العربات التي تجرها الخيول للتنقل داخل مدن عصر الثورة الصناعية في القرن الـ19 حالة من الضوضاء، والتلوث لم يألفها الناس من قبل، وتكرر الأمر نفسه مع ظهور السيارات والقطارات.

وجاءت التقنيات الرقمية لتُسهِل من تواصل الأشخاص ومشاركة المعلومات والسلع عبر الإنترنت، وتُغير من سبل التواصل والتعليم والتسوق، ومع ذلك لم تُقلل من الحاجة إلى التنقل، بل وفرت أساليب جديدة لعقد اللقاءات في الشارع مثل التنسيق بين عدد كبير من الأشخاص عبر الشبكات الاجتماعية والهواتف المحمولة لتنظيم عروض «فلاش موب»، التي يتجمع فيها عدد من الأشخاص فجأة لتمثيل مشاهد غير عادية لأغراض مثل الاحتجاج، أو التهكم ثم يتفرقون في الشوارع، كما وفرت سبيلاً للتنسيق لتنظيم التظاهرات التي تدعم مطالب معينة أو تعترض على أداء حكومات.

كما سيصل التطور إلى نوعية وطريقة تبادل البضائع، فربما يتراجع مستقبلاً، على الأقل في بعض البلدان، امتلاك وشراء بعض السلع المنزلية مثل أواني الطهي والألعاب البسيطة والأعمال الحرفية، مقابل إمكانية إنتاجها منزلياً بواسطة تقنية الطباعة ثلاثية الأبعاد. ووفرت بالفعل شركات خدمة الطباعة ثلاثية الأبعاد لتصميمات مُعدة سلفاً على الإنترنت مثل شركة «شيب وايز» البريطانية.

ولا يعني هذا تراجع الإقبال على المنتجات المصنوعة يدوياً من أطعمة وملابس وأثاث، بل ربما يتزايد عدد من يكسبون عيشهم من إنتاجها في منازلهم، وتسويقها محلياً أو عبر الإنترنت.

وفي ما يتعلق بالأحياء السكنية، فقد بدأت حالياً تصل إليها آثار الاعتماد على الهواتف الذكية ومواقع الشبكات الاجتماعية، ومن ذلك توفير فرص للتواصل وتبادل الموارد؛ ففي العاصمة البريطانية، لندن، يستخدم موقع «كاسيرول كلب»، الإعلام الاجتماعي، للربط بين أشخاص لا يجيدون الطهي لأنفسهم أو ليس لديهم الوقت لفعل ذلك، وآخرين يقبلون مشاركة وجبات غذائية منزلية، كما يوفق «لاند شير» بين أشخاص لديهم حدائق منزلية دون أن يكون لديهم وقت كافٍ للعناية بها، وآخرين يحبون العناية بالحدائق وتنسيقها.

وحتى مع زيادة الشركات التي تسمح لموظفيها بالعمل عن بعد، يختار البعض القيام بعملهم في تجمعات وبيئات تعاونية تكفل لهم اللقاء مع الجيران وأشخاص غرباء، ما يتيح لهم تبادل الأفكار، وتفتح الباب أمام الاشتراك معهم في مشروعات جديدة.

ومن المتوقع أن يُعاد رسم خرائط المدن والطرق في المستقبل؛ فتتغير الصورة التقليدية للطريق الرئيس وما فيه من مصارف ومتاجر للملابس والكتب وحتى كساحة لعرض الأغذية المحلية والسلع المصنوعة يدوياً، ليُمثل أيضاً مكاناً للاجتماع والبدء في أعمال تجارية مشتركة.

كما سيتزايد اعتماد الاقتصاد على مواقع الإعلام الاجتماعي لتنسيق ومشاركة الوقت والموارد مثل التطوع بالوقت والاشتراك في سيارة واحدة وتبادل الكتب المستخدمة، وتُستغل اللقاءات في الشوارع لتبادل السلع المادية والخدمات، في حين يمكن للسكان السير وركوب الدراجات لنقل طرودهم الشخصية وطرود خاصة بجيرانهم.

ويبقى أن أحد التحديات التي تفرضها حياة المدينة هو كيفية المحافظة عليها مكاناً صحياً آمناً يُلبي الحاجات المعقدة والمتنامية لسكانه، وفي سبيل تحقيق ذلك قد يحمل المستقبل مزيداً من الاتجاه للطاقة الكهربائية ووقود الهيدروجين لتسيير السيارات الصغيرة، وأيضاً استخدام أنظمة التنبؤ بالازدحام المروري مثل المطبقة حالياً في دول مثل سنغافورة وأستراليا، وإجراء تحسينات على طرق الحافلات العامة بأساليب بحثية جديدة، على غرار اقتراحات قدمتها شركة «آي بي إم» الأميركية، لتحسين مسارات الحافلات في مدينة «أبيدجان» في «كوت ديفوار»، اعتماداً على تحليلها لبيانات الهواتف المحمولة.

ومن بين الحلول التقنية الأخرى لمشكلات التنقل زيادة الاعتماد على تقنية «السير الناقل»، وتدور فكرتها حول استخدام شريط مطاطي يتصل ببكرتين أو أكثر مع توافر مصدر للطاقة، وتُعد أكثر كفاءة من العربات لنقل المواد والسلع لمسافة عشرات الأميال داخل المصانع والمحاجر وشركات الشحن، لذلك يمكن استخدام «السير الناقل» لنقل البضائع إلى داخل المدن وخارجها.

ويُمكن استخدام شبكة من الأنفاق تحت الأرض للتنقل بطاقة الهواء المضغوط، وتستخدم هذه الطريقة حالياً لنقل النفايات القابلة لإعادة التدوير في المناطق المكتظة بالسكان.

وفي أغسطس الماضي، اقترح مؤسس شركة «باي بال» لنقل الأموال عبر الإنترنت و«تسلا موتورز» للسيارات الكهربائية، الأميركي إيلون ماسك، وسيلة مواصلات جديدة باسم «هايبرلوب»، يمكنها نقل البشر عبر أنبوب مفرغ من الهواء، وبسرعة 1200 كيلومتر في الساعة.

وإضافة إلى إمكانات تحسين وسائل المواصلات القائمة وابتكار أخرى جديدة، قد يحدّ اقتصاد المشاركة أو الاقتصاد التعاوني في مدن المستقبل من الحاجة إلى التنقل؛ إذ كلما ازداد استخدام التقنيات لتقاسم الموارد ضمن المجتمعات المحلية اعتماداً على وسائل بسيطة مثل السير على الأقدام وركوب الدراجات، كلما صار من اليسير تطوير مدن آمنة ومستدامة ونابضة بالحياة.

الإمارات اليوم

شارك:

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *