التفكير التطوّري ضرورة في مواجهة تغيّر المناخ ووضع استراتيجيات لخفض آثاره

الرئيسية » حياة وبيئة » التفكير التطوّري ضرورة في مواجهة تغيّر المناخ ووضع استراتيجيات لخفض آثاره

ظواهر مناخية متطرفة شهدها العالم في العقد الأخير

تهيمن على عصر الـ «أنــثــروبــوســيـــن» Anthropocene، وهو الاسم العلمي الذي يطلقه اختصاصيّو التطوّر على العصر الجيولوجي الحالي، ظاهرة تأثير البشر في البيئة، إذ تبرز فيه تحديّات عالمية كالاحتباس الحراري، وتغيّر المناخ، وزيادة مقاومة مُسبّبات الأمراض والآفات للأدوية، وارتفاع عدد السكان وغيرها. ويتطلّب التعامل مع تلك التحدّيات تطبيقَ ما يمكن أن نسميه «المبدأ القديم»، ألا وهو: التطوّر.

ليست الكلمات السابقة سوى تلخيص لتوصية صدرت عن مجموعة متنوّعة من الباحثين، عبر دراسة نشرت أخيراً على الموقع الإلكتروني لمجلّة «ساينس» Science العلمية الشهيرة التي تنطق بلسان «الجمعية الأميركيّة لتقدّم العلوم» American Association for Advancement of Sciences.

وفي سياق تلك الدراسة، أورد سكوت كارول، وهو عالم بيئي تطوّري في جامعة كاليفورنيا، أن التطوّر لم يعد يتعلّق بالماضي فحسب، بل بالحاضر والمستقبل أيضاً. وأضاف: «يتطلّب التصدي بطريقة مُستَدامة لتحديات مجتمعيّة كالأمن الغذائي، والأوبئة المتجدّدة في الظهور، وفقدان التنوّع البيولوجي وغيرها، اللجوءَ إلى تفكير تطوّري معمّق».

وتستعرض الدراسة الاستخدامات الحالية لعلم «البيولوجيا التطوّريّة» Evolutionary Biology، وتوصي باللجوء إلى طرق محدّدة يمكن أن يساهم فيها ذلك العلم لتحقيق أهداف التنمية المُستَدامة دوليّاً، التي تطوّرها الأمم المتحدة راهناً.

ووفق رأي بيتر سوغارد يورغنسن، وهو اختصاصي يعمل في «مركز العلوم البيئية الشاملة والتطوّر والمناخ» في جامعة كوبنهاغن وساهم في كتابة الدراسة، يتمتّع علم البيولوجيا التطوّريّة بإمكانات هائلة في إيجاد حلول لعدد من القضايا التي يجري تسليط الضوء عليها في أهداف التنمية المُستَدامة.

كما يبرز ذلك العلم كيفيّة تكيّف الآفات بسرعة مع إجراءات الوقاية التي يتّخذها البشر (ما يزيد قوة الآفات)، وكيف تحاول الأنواع الضعيفة أن تتأقلم مع التغيّر المناخي. واختار مؤلّفو الدراسة المشار إليها آنفاً أن تصدر في زمن قريب من الاجتماع الأخير لـ «الجمعية العامة للأمم المتّحدة» في أيلول (سبتمبر) المنصرم.

وشملت توصيات الدراسة التركيز على العلاجات الجينية لمعالجة الأمراض، واختيار أصناف المحاصيل المقاومة للجفاف والفيضانات، وتغيير استراتيجيات الصيانة لحماية الأرض تتبنى مستويات عالية من التنوّع الجينيّ.

تفاوت في المسارات

لم تعد البيولوجيا التطوّرية تستند إلى المفاهيم الأكاديميّة المجرّدة، بل إلى مفاهيم أكثر عملية، بدعم من جهود علماء نادوا بضرورة تجميع أفكار البحوث وتبادلها عالميّاً بشكل أفضل، كخطوة ضرورية في مواجهة زيادة ضغوط البيئة.

سبق أن جرى ترسيخ آثار التطوّر في الوعي العلمي العام، بل إنها تطلق دوماً نقاشات متجددة. ويظهر ذلك في النقاشات عن المحاصيل المعدّلة وراثيّاً والتحذيرات حول تزايد كلفة مكافحة الجراثيم المقاومة للأدوية التي تصل كلفتها إلى 20 بليون دولار في الولايات المتحدة سنويّاً، وفق منظّمة «التحالف من أجل الاستخدام الرشيد للمضادات الحيوية».

وتشير الدراسة إلى أنّه نادراً ما جرى توضيح تلك المسائل في سياق تفكير تطوّري، بل غالباً ما يجري التغافل عنه بسبب الاعتقاد السائد بأن التطوّر يفوق قدرة البشر على إدارته، ما يعني أن من غير المفيد نقاشه نظراً إلى الوقت الذي يتطلّبه تطبيق التدخّلات التطوّرية.

من الضروري أخذ إمكانات التطوّر في مختلف الأنواع الحيّة في الاعتبار لمكافحة ظاهرة التفاوت في التطوّر. ويعني ذلك أنّ البيئة التي تعيش فيها الأنواع الحيّة لم تعد تتطابق مع أوضاعها حاضراً. وربما يكون ذلك التباعد وخيمًا ومكلفاً، وفق وصف مؤلّفي الدراسة المنشورة في مجلة «ساينس»، إذ تحدّثت الدراسة عن أنماط الحياة التي تقلّ فيها الحركة على نحو متزايد، ونُظُم الحميّات التي تستند إلى الأطعمة المصطنعة في عصرنا الحديث.

وبيّنت الدراسة أن أنماط الحياة السائدة ترتبط بزيادة معدلات البدانة والسكري، واضطرابات القلب والأوعية الدمويّة. لذا، يتطلّب نمط الحياة الصحّي ممارسة نشاط بدنيّ أكبر، وتناول نشويّات مُكرّرة بشكل أقلّ. ووفق ما جاء في مجلّة «ساينس»: «يجب اتّباع حمية غذائيّة، وممارسة مستويات من النشاط أقرب إلى تلك التي كانت مُتّبعة في الماضي».

وأوضح يورغنسن أن تنفيذ المبادىء التطوّرية غالباً ما يتطلّب تفكيراً حذراً للغاية بشأن الحوافز الاجتماعيّة لذلك الأمر، إذ غالباً ما تخلق برامج التطعيم العامّة ومكافحة الآفات في المحاصيل، توتّرات بين المصالح الفرديّة والعامة. لذا، يتطلّب تطبيق مفاهيم التطوّر مساهمةً صبورة من علماء البيولوجيا، والأطباء، والمزارعين.

الكربون وأعوامه

في سياق متّصل، تقف عوائق عديدة في وجه الجهود التي يبذلها قادة العالم من أجل بلوغ اتفاقية حول السياسات المتعلّقة بانبعاث غازات التلوّث المسبّبة للاحتباس الحراري.

وأخيراً أشار باحثون في «جامعة أريزونا» إلى أنّ الاتفاقيات المرتبطة بمسألة المناخ تظل رهينة الأخطاء والعجز عن التأكّد من نسبة الانبعاثات، ما لم يصرْ إلى إرساء عمليات تقويم مستقلة ودقيقة لها.

وفي ذلك الإطار، عمل فريق بحث دولي بقيادة علماء من «جامعة أريزونا» على تطوير مقاربة تهدف إلى تقدير نسبة انبعاث غاز ثاني أوكسيد الكربون من الوقود الأحفوري. واستخدم الفريق نظاماً مبتكراً يُدعى «نظام دمج بيانات الوقود الأحفوري» من أجل إحصاء نسبة انبعاث الكربون على مدار 15 سنة في كلّ ساعة، وفي كل أنحاء المعمورة ومدنها. ولغاية اليوم، لم تكنْ تقديرات العلماء لنسب انبعاث غازات التلوث، دقيقة أو أنهم استخدموا تقنيات لا يمكن الوثوق فيها.

وكشف الباحثون عن النظام الجديد في مقال نُشر أخيراً في «مجلة البحوث الجيوفيزيائية».

ويرتكز «نظام دمج بيانات الوقود الأحفوري» إلى استخدام المعلومات التي توفّرها الأقمار الاصطناعيّة، وحسابات محطات الوقود في كل بلد، وقاعدة بيانات عالميّة جديدة حول محطات الطاقة، بهدف رسم خرائط عالية الدقة لكربون في الأرض كلها. وتقدّم الخرائط تقويماً علميّاً مستقلاً لانبعاث غازات التلوّث عالميّاً، بطريقة تفيد صانعي السياسات، كما يسهل على الرأي العام فهمها.

في ذلك الصدد، أشار كيفن روبرت غورني، وهو أستاذ في «كلية علوم البيولوجيا» في «جامعة أريزونا» إلى أنّ ذلك النظام ساهم في إحداث نقلة كبيرة باتجاه إنشاء نظام رقابة عالمي لانبعاث غازات التلوّث، معتبراً ذلك أمراً ملحاً للتفكير بأفضل الطرق لتقليص انبعاث تلك الغازات.

وقال: «صار بوسعنا تزويد الدول كافة بمعلومات مفصّلة حول انبعاث ثاني أوكسيد الكربون فيها، وأن نبرهن لها أنه يمكن إجراء رقابة مستقلة وعلمية على انبعاث غازات التلوّث».

معضلة الوقود الأحفوري

في تفاصيل ذلك النظام، أن فريق البحث جمع معلومات من «أضواء الليل» عبر المراقبة من الفضاء، ما وفّر قاعدة بيانات عن استخدام الوقود ومحطات الطاقة في الدول كلها. وتمثّل الهدف في رسم خريطة تفصيلية (في الزمان والمكان) لانبعاث غاز ثاني أوكسيد الكربون.

ولفت سالفي آصفي نجف أبادي، وهو باحث في «جامعة أريزونا» إلى أن دقة نتائج «نظام دمج بيانات الوقود الأحفوري» تؤكدها البيانات المستقلة الميدانية في الولايات المتحدة. وأشار إلى حدوث ثقة واسعة بأنّ النظام يعمل بشكل جيّد، وبأنه قادر على تزويد العلماء بمعلومات مفيدة لوضع سياسات مجدية بيئيّاً.

كما رأت جنيفر مورغان، مديرة «برنامج المناخ والطاقة» في «معهد موارد العالم» World Resources Institute، أن ذلك النظام يمثّل أداة مفيدة لصانعي السياسات محليّاً ودوليّاً. وأضافت: «بفضل ذلك النظام، بات الرأي العام يدرك مدى فاعلية استراتيجيات تقليص غازات التلوّث. إنها مقاربة مكمّلة لآليات المحاسبة من أسفل الهرم إلى الأعلى. لم يعد مسموحاً التأخّر في فهم اتجاهات غازات الثلوّث في الفترة الأخيرة».

قدّم «نظام دمج بيانات الوقود الأحفوري» تفاصيل مذهلة حول انبعاث غازات التلوّث قبل الأزمة الاقتصادية العالمية وبعدها، مع الإشارة إلى أنّ بعض أنحاء الولايات المتحدة وأوروبا والهند بدأت تتعافى منها.

كما أظهرت النتائج التي استندت إلى معلومات الـ 15 سنة الأخيرة، ارتفاعاً حادّاً في انبعاثات ثاني أوكسيد الكربون في الصين وجنوب آسيا، وهو أمر من شأنه إثارة نقاشات حادة بيئيّاً.

واشنطن – «الحياة» 

شارك:

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *