إدراك الإنسان وتساؤلاته محل بحث العلماء

الرئيسية » حياة وبيئة » إدراك الإنسان وتساؤلاته محل بحث العلماء

الوعي هو مصطلح علمي يعبر عن حالة يكون فيها العقل بحالة إدراك وتواصل مباشر مع محيطه الخارجي عن طريق منافذ عدة تتمثل عادة في حواس الإنسان الخمس، ويعرف الوعي أيضاً بأنه ما يكون لدى الإنسان من أفكار ووجهات نظر ومفاهيم عن الحياة والطبيعة من حوله، ولذلك يواصل علماء الأعصاب أبحاثهم لاكتشاف العوامل الجسدية أو العصبية المرتبطة بالوعي، وشكله داخل المخ، وذلك من خلال معرفة التغيرات التي تحدث للشخص عند انخفاض درجة الوعي عنده أو فقدانه، مثل الأشخاص الذين يدخلون في غيبوبة، ولا يكون هناك أي دليل على وجود الوعي لديهم.

طبقاً لمجلة “نيوساينتيت” العلمية البريطانية، يرى العلماء أن الأشعة المقطعية على المخ توضح إصابة هؤلاء الأشخاص الذين يفقدون الوعي بتلف في منطقة المهاد، التي تقع في منتصف المخ، أو وجود تلف في الاتصال بين منطقة المهاد وقشرة الفص الجبهي الموجودة في المنطقة الأمامية من المخ، والمسؤولة عن التفكير، أو تلف في منطقة قشرة الفص الجبهي، ويظهر ذلك واضحاً أيضاً من خلال إجراء أشعة مقطعية للأشخاص فاقدي الوعي تحت تأثير مخدر، وبفقدان الوعي تتعطل مناطق عدة متميزة في المخ عن العمل، ومنها قشرة الفص الجبهي وهي أشهر منطقة يحدث فيها غياب الوعي.

وأوضحت اكتشافات العلماء الأجزاء المسؤولة عن اليقظان والوعي داخل المخ، لكنها لم توضح ماذا يحدث داخل المخ بالتفصيل، ووجد العلماء أن أحد الحلول لمعرفة ما يحدث داخل المخ هو استخدام المحفزات (المنبهات) والتي أحياناً تكون عبارة عن أشياء تخيلية مثل تحريك أصوات ضوضاء خافتة، أو إضاءة كلمة على الشاشة لفترة وجيزة جداً لملاحظتها، فإذا لم يلحظ الشخص عن وعي الكلمة المضاءة عندها يكون الجزء الوحيد المراد تنشيطه في المخ هو المرتبط مباشرة بالأعضاء الحسية المعنية، وفي هذه الحالة يكوّن القشرة البصرية للمخ، لكن إذا كان الشخص على وعي بالكلمات أو الأصوات، فمعنى هذا أن هناك مناطق أخرى هي المراد تنشيطها، وهي إما قشرة الفص الجبهي الجانبية أو قشرة الفص الخلفي الجدارية، وهناك مناطق أخرى مسؤولة عن التفكير المعقد، وهذه تكون أعلى المنطقة الخلفية للمخ.

وتوجد منطقة المهاد في عدد من الحيوانات، بينما المنطقتان القشريتان الموجودتان في المخ والمسؤولتان عن الوعي متطورتان وكبيرتان في الإنسان عن أي كائن آخر، وإذا كان هناك طيف من الوعي لدى الحيوانات فلدى الإنسان تكون خاص للوعي يختلف عن غيره من الكائنات.

ففي الإنسان، مناطق المخ الثلاث المسؤولة عن الوعي هي المهاد البصري وقشرة الفص الجبهي الأمامي، وقشرة الفص الخلفي الجانبي، وتشارك هذه المناطق في بعض المزايا، منها ارتباطها ببعضها بشكل كبير، وارتباطها بمناطق أخرى في المخ، وتستقبل هذه المناطق الثلاث تحليل المعلومات الواردة من باقي أجزاء المخ.

ويرى عدد من علماء الأعصاب أن الشبكة التي تقوم بتجميع هذه المعلومات هي التي تشكل السمة المميزة للوعي، فعند التحدث لشخص لا يتعامل معه العقل على أنه عبارة عن مجموعة من السمات المنفصلة عن بعضها، ولكن يتم تجميع كل سماته في كيان واحد، فيحدث ترابط بين الشكل والصوت مع المعلومة المذكورة آنفاً لدى المتلقي عن اسمه، وتتلاقى كل هذه المعلومات في كيان واحد.

والسؤال الذي يطرح نفسه الآن هو كيف يمكن للمخ أن يربط كل هذه الأشياء سوياً من مواقع مختلفة فيه؟

تشير بعض الفرضيات إلى أن الخلايا العصبية المعنية تقوم بإعطاء إشارات تنبيهية في توقيت واحد في الثانية، وهي الظاهرة التي ترى على شكل موجات المخ عند الرسم الكهربائي للدماغ عندما تكون الأقطاب الكهربائية موضوعة على فروة الرأس، ويرى العلماء أن الوعي هو الشكل فائق السرعة لموجات المخ التي تنشأ في منطقة المهاد وتنتشر عبر القشرة، وهناك نظريتان تثبتان أن الوعي هو ترابط عدد من المعلومات، وقد تم تحويل هذه الفرضية إلى نظرية عن الوعي تعرف باسم “النموذج العالمي لمكان عمل الخلايا العصبية”، وتنص على أن المدخلات عن طريق العين أو الأذن أو أي مكان آخر تبدأ العمل أولاً بنظام اللاوعي في مناطق حسية في المخ، ثم تنتقل إلى منطقة الوعي في حالة حدوث نشاط في الخلايا العصبية في منطقة قشرة الفص الجبهي الأمامي وقشرة الفص الجانبي، وهاتان المنطقتان مرتبطتان سوياً من خلال موجات الدماغ فائقة السرعة .
ويربط هذا النموذج بين الوعي والمهام الصعبة التي يكلف بها الشخص، والتي تتطلب غالباً تجميع عدد من مسارات المعلومات المختلفة سوياً، وهو ما يؤكد وجود نشاط في قشرتي الفص الجبهي والخلفي الجداري عند قيام شخص بتنفيذ عدد من المهام الصعبة والجديدة، بينما يقل النشاط في هاتين المنطقتين عند تكرار فعل المهمة، مثل القيادة في شارع يعرفه الشخص مسبقاً.

وهناك نموذج آخر حسابي أطلق عليه نظرية “تكامل المعلومات”، وتنص على أن الوعي هو ارتباط البيانات سوياً بشكل مبسط، وهي تطبق بشكل كبير على الإنترنت أكثر منه على الإنسان، ومبتكروه يرون أنهم قادرون على تشغيل شبكة معلومات بشكل واع سواء كانت في مخ إنسان أو فأر أو جهاز حاسوب، وتبدو هذه النظرية الحسابية مختلفة عن نموذج العمل العالمي للخلايا العصبية، حيت تتجاهل تشريح المخ، إلا أن كلتا النظريتين تتوافق في أن الوعي هو عبارة عن اتحاد عدد من المعلومات، وكلاهما يركز على الأجزاء المترابطة من شبكة تشغيل المعلومات، وهو ما يعكس التقدم الذي أحرزه العلماء في هذا المجال .
ويرى العلماء أن ما يجعل الإنسان مختلفاً عن الحيوان هو مستوى الوعي الذاتي لديه، فالحيوان يمكنه أن يدرك مدى جوعه أو تعبه أو عطشه، بينما الإنسان يكون على وعي بالمدخلات الحسية الرئيسية التي تجعله يتفاعل مع مشاعره وتجعله يصدر أحكاماً مختلفة تجاهها، وتشير هذه القدرة العقلية للإنسان إلى ما يعرف بالتأمل الباطني أو إدراك المعرفة المحصلة وهي معرفة الفرد بذاكرته أو بنفسه.

يصف العالم ستيف فلمنج من جامعة نيويورك القدرة العقلية الفائقة التي يتمتع بها الإنسان ب”الوعي الفائق للإنسان”، ومن خلال تصوير أدمغة بعض الأشخاص أثناء قيامهم ببعض المهام الإدراكية المعرفية اتضح أن مركز هذه القدرة هو قشرة الجبهة الأمامية للمخ، ومع ذلك فقد كان من الصعب قياسها، وعند سؤال عدد من الأشخاص عن أدائهم في الامتحان، تنوعت إجاباتهم على حسب القدرات التي بذلوها في الامتحان، ومن هنا وجد العلماء أنه لا يتم قياس قدرتهم العقلية، ولكن يتم قياس درجة الوعي لديهم بقدرتهم على أداء العمل، وبعمل رسم مخ لعدد من المتطوعين تبين أن القدرات العقلية الفائقة تتركز في منطقة الفص الجبهي الأمامي للمخ والموجودة خلف الجبهة مباشرة، ولذلك قام العلماء بدراسة هذه المنطقة لمعرفة مدى تطورها في الإنسان والتي تجعله مختلفاً عن الحيوان.

ويرى العلماء أن الضعف في إدراك المعرفة الفائقة (معرفة الفرد حول ذاكرته) شائع في عدد من الأشخاص الذين يعانون “الشيزوفرينيا” أو الهلوسة، ومن خلال تجربة أجرتها الباحثة جانيت ميتاكالف من جامعة كولومبيا بدراسة القدرة المعرفية الفائقة لبعض الأشخاص المصابين بالشيزوفرينيا خلال استخدامهم مؤشر إحدى ألعاب الحاسوب، تبين أن بالإمكان أداء اللعبة بشكل جيد، ولكن عندما قامت الباحثة بتحريك المؤشر بنفسها تبين عدم إدراك أن المرضى لم يعودوا يحركون المؤشر بأنفسهم، وهو ما يجعل بعض الأشخاص المصابين بالشيزوفرينيا يعتقدون أن هناك آخرين يتحكمون في سلوكهم ويدعون أنه تم زرع شريحة دقيقة داخل رؤوسهم.

وتبين أيضاً أن الفهم للمعرفة الفائقة (معرفة الفرد حول ذاكرته) يساعد على تحسين مستوى التدريس في المدارس، فقد توصلت ميتاكالف إلى أن الأطفال من عمر 7 أعوام إلى 11 عاماً لديهم القدرة على إصدار أحكام حول المعرفة الفائقة لديهم عن أحد الموضوعات التي يدرسونها، ولكنهم ربما يفشلون في الاستفادة من المعلومات التي توصلوا إليها .
ويضيف بعض العلماء اللاوعي بأنه الشريك الفكري الصامت، فالإنسان يتفاخر بأنه يمتلك التفكير الواعي لاتخاذ القرارات، ولكن العلماء أثبتوا أن هناك شريكاً فكرياً صامتاً يساعد على اتخاذ القرارات وهو اللاوعي، ومن خلال تجربة لبنجامين ليبت بجامعة كاليفورنيا في عام 1981 طلب من بعض الأشخاص الانتظار لفترة قصيرة ثم الضغط على أحد المفاتيح، ليعرف الوقت الذي قرروا فيه الضغط على المفتاح، وتم وضع أقطاب كهربائية على فروة الرأس لقياس النشاط الكهربائي في أدمغتهم، وكشفت التجربة عن أن النشاط العصبي لأدمغتهم سبق اتخاذهم للقرار الواعي وهو الضغط على المفتاح بمعدل نصف ثانية.

أشجان محمود – الخليج

شارك:

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *