أين عقلي: العالم أمام تحد شائك بين العقل والكمبيوتر

الرئيسية » إعلام وتكنولوجيا » أين عقلي: العالم أمام تحد شائك بين العقل والكمبيوتر

اخترقت تكنولوجيا علم الأعصاب حاجز المستحيل بعد أن صار بالإمكان تدريب العقل على فعل أشياء معينة، مما أثار مخاوف الخصوصية في ظل تطاول التكنولوجيا على المستحيل وتهديدها للأفكار والأسرار وتقويضها للإرادة البشرية، ما يسلط الضوء على ضرورة ضبط قواعد قانونية لحماية بيانات دماغ الأشخاص. جاءت نقطة تحول لرافائيل يوستي عالم الأعصاب في جامعة كولومبيا بنيويورك عندما اكتشف مختبره أنه يمكن أن ينشط عددا قليلا من الخلايا العصبية في القشرة البصرية للفأر مما يجعله يهلوس.

وقال يوستي الذي نشر فريقه دراسة عن التجربة في 2019، إن الفأر تم تدريبه على لعق الماء في كل مرة يرى فيها علامتين عموديتين، وتمكن الباحثون من حثه على الشرب حتى مع غياب العلامتين. وقال لرويترز في مقابلة عبر الهاتف “يمكننا أن نجعل الحيوان يرى شيئا غير موجود. وإذا استطعنا القيام بذلك اليوم مع حيوان، فيمكننا فعل ذلك غدا مع إنسان بالتأكيد”.

وينتمي يوستي إلى مجموعة من العلماء والمشرعين، تمتد من سويسرا إلى تشيلي وتعمل على كبح انتهاكات الشركات (من عمالقة التكنولوجيا إلى الشركات الناشئة) المحتملة لعلم الأعصاب. وقد أطلق، بعد اكتشاف فريقه، مبادرة الحقوق العصبية التي تدعو إلى وضع خمسة بنود لحماية كيفية الوصول إلى بيانات دماغ الشخص واستخدامها، بما في ذلك الحق في الخصوصية العقلية والإرادة الحرة. وقال يوستي إن القطاع يفتقر اليوم إلى قوانين.

وفي تشيلي يدفع عضو مجلس الشيوخ غيدو جيراردي لترجمة هذه المبادئ إلى قانون، بمشروع قانون من شأنه أن يمنح الحماية القانونية لدعوى الحقوق العصبية، وإصلاح مكمل لدستور البلاد. وخلال الشهر الحالي بدأت اللجنة الوطنية للبحوث العلمية والتكنولوجية مناقشة اقتراح جيراردي، الذي حصل على دعم بالإجماع من البرلمان في ديسمبر 2020. ويأمل مكتبه أن يتم اعتماد مشروع القانون خلال السنة الحالية.

وقال في مقابلة عبر الهاتف “إذا تم تصنيع هذه التكنولوجيا دون اللوائح والقواعد المناسبة، فإنها ستهدد الحرية البشرية الأساسية”. وفي نفس الوقت، أصدرت منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية إرشادات التكنولوجيا العصبية الخاصة بها، كما أشار مارسيلو إينكا الباحث في مختبر الأخلاقيات والسياسات الصحية في المعهد الفدرالي للتكنولوجيا في زيورخ، والذي يعمل في مشروع المنظمة. وقال “عادة ما يبدأ الناس الحديث فقط عن الأخلاق واللوائح بعد فضيحة كبيرة، ولكن مع التكنولوجيا العصبية آمل أن نتمكن من التعامل مع هذه الأسئلة قبل تلك الفضيحة”.

سيناريوهات علمية

جعلت التطورات في علم الدماغ مثل تلك التي حققها فريق يوستي اختراق الدماغ باستخدام أجهزة الرقابة والغرسات والوصول إلى درجة معينة من النشاط العصبي ممكنا. ووافقت إدارة الغذاء والدواء الأميركية على إجراءات التحفيز العميق للدماغ بزرع أقطاب كهربائية فيه لعلاج مجموعة من الاضطرابات من مرض باركنسون إلى الصرع.

وتعمل شركات التكنولوجيا الكبرى، من فيسبوك إلى تسلا، على واجهات “الكمبيوتر – الدماغ” للسماح للمستهلكين بالتحكم في الأجهزة بأفكارهم، بينما تبيع بعض الشركات الصغيرة أجهزة يمكن ارتداؤها لمراقبة نشاط الدماغ. لكن كارين روميلفانغر مديرة برنامج أخلاقيات الأعصاب بجامعة إيموري في أتلانتا، قالت إن التحذيرات من “سيناريوهات الخيال العلمي” للسيطرة على العقل من أجل الربح مبالغ فيها لسلسلة من الأبحاث التي لا تزال صغيرة جدا. وقال مارسيلو إينكا إن القضايا الأخلاقية الرئيسية يمكن أن تنشأ إذا تمت مشاركة أجهزة التكنولوجيا العصبية التجارية وتحليلها على نطاق واسع دون ضمانات مناسبة. وتابع “لدينا بالفعل مؤشرات حيوية رقمية يمكن أن تشير إلى ما إذا كان شخص ما عرضة للإصابة بالخرف. دعنا نقول إن البيانات تتم مشاركتها مع صاحب عمل محتمل، فقد يواجه المرء تمييزا في سوق العمل بسبب ذلك”.

وفي 2018 نشر إينكا مراجعة لست سماعات رأس “مراقبة عصبية” متاحة تجاريا في مجلة نيتشر بيوتكنولوجي. ووجد أن بيانات تخطيط كهربية الدماغ التي جمعتها الأجهزة أثناء قياسها للنشاط الكهربائي في الدماغ يمكن أن يتم تسريبها عبر الإنترنت أو بيعها إلى أطراف ثالثة أو تعرضها لاستخدامات لم يوافق عليها المستهلكون. يقلق هذا آدم مولنار المؤسس المشارك لشركة نورابل الناشئة للتكنولوجيا العصبية، التي تعمل على تطوير سماعات رأس تقيس مخطط كهربية الدماغ لمساعدة المستخدمين على تتبع نشاط الدماغ والعواطف مثل الإرهاق. وقال إنه عندما تطلق شركته جهازا جديدا، فإنها تتعهد بعدم بيع بيانات المستخدم، وتستخدم فقط البيانات التي جمعت لتحسين منتجاتها الخاصة. وأضاف “نريد أن نكون الأخيار”، موضحا أنه يأمل أن تساعد هذه الخطوة في تحديد النغمة لشركات التكنولوجيا العصبية الأخرى.

جمع البيانات

تتخوف كارين روميلفانغر من التحرك بسرعة كبيرة لتنظيم تقنية الدماغ، والتي قالت إنها يمكن أن تخنق الابتكار. وتوصي بالمشاركة المباشرة مع الشركات الناشئة التي تعمل على الأجهزة التجارية وتشجيعها على تطوير منتجات تراعي الخصوصية وذات تفكير أخلاقي. ويفضل جيراردي تنظيما صارما. وقال “لم ننظم وسائل الإعلام الاجتماعية ومنصات الإنترنت الكبيرة في الوقت المناسب، وهذا يكلفنا. لقد فقدنا السيطرة على جميع أنواع البيانات، من موقعنا إلى اهتماماتنا الرومانسية. فكلها للبيع”. وتابع “إذا سمحنا بأخذ كل بيانات الدماغ هذه، فمن يدري ماذا ستكون العواقب؟ ستكون لدينا خوارزميات تحدد ما يعنيه أن تكون سعيدا”.

وقال تيم براون خبير أخلاقيات الأعصاب بجامعة واشنطن، إن البيانات التي تجمع حاليا ليست ثرية بما يكفي للقيام بذلك. وأضاف “الكثير من بيانات الدماغ هذه عبارة عن ضوضاء في الأساس”، لكنه أشار إلى أن العلماء يعملون على خوارزميات لفك تشفير التخطيط الكهربائي للدماغ والتصوير بالرنين المغناطيسي الوظيفي، على أمل بناء نماذج حاسوبية يمكنها تفسير حالة الفرد العقلية. وتوقع أن تظهر الديناميكيات نفسها الموجودة في وسائل التواصل الاجتماعي أو صناعة البحث (حيث تقدم الشركات خدمة مجانية مقابل الحصول على إذن لجمع بيانات المستخدم) في مجال التكنولوجيا العصبية. وحذر براون من أن ذلك قد يؤدي إلى عواقب وخيمة على الخصوصية في السنوات المقبلة، حيث تربط الشركات سلوك المستخدمين على وسائل التواصل الاجتماعي بصور أدمغتهم في الوقت الفعلي لصياغة إعلانات أو رسائل أخرى.

كما أنه قلق بشأن الكيفية التي قد تؤدي بها التكنولوجيا العصبية إلى تفاقم أنماط التمييز والعنصرية الحالية. وحذر في بحثه من إمكانية “التدخلات العصبية الإلزامية” عندما تنشر مؤسسات مثل المدارس أو السجون التكنولوجيا العصبية لتقييم الحالات العقلية. وتساءل براون “هل سنرى حالة يُطلب فيها من السجناء وضع رؤوسهم في صندوق ليتم مسحها ضوئيا لمعرفة ما إذا كانوا مؤهلين للإفراج المشروط بناء على تفسير خوارزمي لأدمغتهم؟ كيف سيكون تأثير ذلك على السود والسمر الذين نعرف أنهم ممثلون بشكل غير متناسب في هذه المؤسسات بالفعل؟”. ويقول يوستي إن صانعي السياسات في جميع أنحاء العالم يحتاجون إلى البدء في التفكير في هذه القضايا الآن. وكان على اتصال مع أعضاء إدارة الرئيس جو بايدن والأمم المتحدة حول الحقوق العصبية والقضايا ذات الصلة. وذكر أن “الأمر لا يتعلق بتعديل القانون. حيث تؤثر هذه التقنيات في جوهر ما يعنيه أن تكون إنسانا. وتبقى حقوق الإنسان الجديدة الطريقة الوحيدة لمعالجة هذه المسألة”. وليست هذه المرة الأولى التي تتطاول فيها التكنولوجيا على المستحيل فقد ركزت الشركة الناشئة “نتكوم” في وقت على تحويل الوصلات العصبية للدماغ البشري إلى شيفرة قد تسمح للإنسان بأن يحيا إلى الأبد. وتعمل شركة “هوماي” للتكنولوجيا على إعادة بث الحياة في الإنسان بعد وفاته باستخدام تقنية الذكاء الاصطناعي، حيث أشارت الشركة التكنولوجية إلى أنها تعمل على مشروع من شأنه أن يسمح بوضع وعي الإنسان ضمن أجسام اصطناعية بعد وفاته.

وتقترح شركة “نتكوم” تقنية غير متوفرة الآن لذلك مازالت غير متوفرة للبيع، لكن مع ذلك هناك قائمة يمكن للمتفائلين بالجنة الرقمية أن يسجلوا فيها مقابل مبلغ مالي قدره عشرة آلاف دولار. وهذا ليس تقديما أو إعلانا لفيلم خيال علمي، ولكنه بحوث علمية تجريها الشركات التكنولوجية ومنها “نتكوم” الناشئة والتي تحصلت على جائزة مالية لعملها في حفظ دماغ خنزير، حيث تم الاحتفاظ بالوصلات العصبية في مكانها بعد أن أُعيدت إلى حالة مرنة. ويسعى الباحثون في الشركة إلى الحفاظ على الوصلات العصبية للدماغ من خلال حفظه في محلول تزجيج (عملية تحويل المادة إلى مادة صلبة غير متبلورة شبيهة بالزجاج خالية من أي بنية بلورية)، يبقي كل وصلة عصبية في حالة زجاجية، ريثما يتمكنون من صياغتها على شكل برمجية حاسوبية. والتكنولوجيات الحديثة شجعت العديد من الشركات والمخابر على خوض مغامرة البحث في إمكانية خلود الإنسان أو الاحتفاظ بذاكرته بعد وفاته، فقد تمكن الباحثون من جامعة ييل بالولايات المتحدة من حفظ أدمغة نحو 200 خنزير حية لمدة وصلت إلى 36 ساعة، بعد فصلها عن أجسامها. وأوصل الباحثون في تجربتهم المثيرة الأدمغة المفصولة بنظام مغلق أطلقوا عليه اسم “براين أكس”، لضخ دم صناعي غني بالأوكسجين إلى خلاياها للحفاظ عليها على قيد الحياة. وتمهد هذه التجربة الطريق لإجراء عمليات زرع أدمغة للبشر من خلال ربطها بأنظمة صناعية بعد فصلها عن الجسم الميت، الأمر الذي يتيح للأدمغة البشرية البقاء لفترة أطول بعد الموت.

ووصف الدكتور نيناد سستان، الذي قاد فريق العلماء من جامعة ييل حينها، نتائج الدراسة بأنها “محيرة للعقل وغير متوقعة”. وقال سستان إنه “من الممكن أن تبقى الأدمغة حية إلى أجل غير مسمى، وإنه يمكن اتخاذ خطوات إضافية لاستعادة الوعي”، في خطوة قد تسمح بالخلود. وتعتبر تجارب شركة نتكوم غير قانونية ما لم تحصل على شروط خاصة جدا، شبيهة بتلك التي يتضمنها قانون الموت الرحيم. وللقيام بعملية حفظ الوصلات العصبية للدماغ لا يمكن للباحثين أن يجعلوا المتبرع يصاب بمكروه، لأن توقف جريان الدم لدقائق معدودة لا تتجاوز الخمس، يمكن أن يكون كافيا لموت الخلايا العصبية غير الحصينة، لذا يجب أن يكون القلب لا يزال ينبض لكي تبدأ عملية الحفظ. ويمكن بذلك للشركة أن تمنح أولئك المصابين بأمراض مستعصية بصيصا من الأمل في الاستيقاظ في دار خلود افتراضية، وذلك عبر دماغ رقمي في المستقبل البعيد.

ومنذ منتصف القرن الماضي تعمل الشركات على تجميد أجساد البعض في الثلاجات، أملا في أن يصبحوا في يوم ما قادرين على حلها وإعادتها إلى شكل ما من أشكال الحياة. وتعمل شركة “هوماي” على مشروع من شأنه أن يسمح بوضع وعي الإنسان ضمن أجسام اصطناعية بعد وفاته. وتقوم الشركة باستخدام الذكاء الاصطناعي وتكنولوجيا النانو لتخزين البيانات عن أساليب التخاطب والأنماط السلوكية وعمليات التفكير والمعلومات حول كيفية عمل الأجسام، حيث سيتم بعد ذلك ترميز هذه البيانات إلى تقنيات استشعارية متعددة وسيتم إدخالها إلى أجسام اصطناعية تحتوي على دماغ الشخص المتوفى.

هذه التقنية تستخدم أيضا تكنولوجيا الاستنساخ، حيث سيكون العلماء قادرين على استعادة خلايا دماغ الشخص المتوفى الذي يجري استنساخه أثناء نضوجه. وسيتم تجميد دماغ الشخص المتوفى باستخدام تكنولوجيا التجميد، ليتمكن الباحثون بعد الانتهاء من تطوير هذه التكنولوجيا بشكل كامل من إعادة زرع الدماغ في الجسم الاصطناعي.

ويقول الباحثون إنه سيتم التحكم بوظائف الجسم الاصطناعي من خلال الأفكار عن طريق قياس موجات الدماغ، ومع تقدم الدماغ في العمر سيتم استخدام تكنولوجيا النانو لإصلاح وتحسين خلاياه، وستساعد تكنولوجيا الاستنساخ في هذا الأمر أيضا، كما أنه من المتوقع أن تكون الشركة قادرة على إعادة إحياء أول إنسان في غضون 30 عاما من الآن. ولكن إعادة الدماغ المتجمد إلى العمل بصورة متكاملة والتي تعمل عليها الشركات مثل نتكوم وهوماي، أو حتى نسخه إلى شيفرة حاسوبية تؤدي وظائفه، تتطلب قفزة كبيرة جدا في التكنولوجيا.

صحيفة العرب

شارك:

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *