مدخل للدراسات المستقبلية - نحو وعي بأهمية الممارسة الاستشرافية -4

الرئيسية » الأعمدة » دراسات استشرافية » مدخل للدراسات المستقبلية – نحو وعي بأهمية الممارسة الاستشرافية -4

مدخل للدراسات المستقبلية

– نحو وعي بأهمية الممارسة الاستشرافية –

– 4 –

رابعا: وظائف وأهداف الدراسات المستقبلية

إن الدراسات المستقبلية تجسد “مرحلة من مراحل أعمال الفكر في شؤون المستقبل، ترسي أساسا لمراحل أخرى أقرب إلى التخطيط والتدبير”[1] ولذا فهي ليست ضربا من الترف الفكري، وإنما جهد حقيقي لتبين الاتجاهات الممكنة لمستقبل دولة أو قطاع معين، مما يقتضي التفكير في وضع سياسات عمومية تتواءم مع التغيرات القادمة.

ويبدو أن أهداف أو وظائف الدراسات المستقبلية، كامنة في الأهمية الاستراتيجية للاشتغال بالبحث في قضايا المستقبل. وقد حددناها في مواكبة التغير وفهم إيقاعات الزمن العالمي، وتفادي الاقصاء والمساهمة في الدينامية العالمية ومراعاة مصلحة الأجيال القادمة وتقدير المخاطر المهددة للحضارة الإنسانية برمتها.

 وأهداف الدراسات المستقبلية تتباين وتختلف، باختلاف الرؤية الاستراتيجية لكل دولة وحجمها في العلاقات الدولية وتطلعاتها وهواجسها. فهناك دول تسعى للاستفراد بإدارة العالم وتطمح أن تظل هي المهيمنة والموجهة والمسيرة، ولذلك توظف الدراسات المستقبلية لتعبئة الموارد المادية وغير المادية لتحقيق استمرارية التفوق في المستقبل القريب والمتوسط والبعيد. فالهدف الأسمى هو الحفاظ على التفوق والاستفراد به، ويتفرع عنه هدف ثاني هو إعاقة الخصوم الأقوياء واستغلال الضعفاء واستعمارهم والتحالف مع الأصدقاء الداعمين، واعتبر الدكتور المهدي المنجرة، هذا النوع من الدراسات المستقبلية “مستقبلية الانتهاز” على المستوى الوطني و”مستقبلية الاحتكار” على المستوى الدولي”[2].

كما اعتبر ضياء الدين سردار أغلب الدراسات المستقبلية “عقيمة وتافهة.. فقد أصبحت.. استعمارية وفروع مستعبدة، لهذا فإنها بشكل عام لا معنى لها لدى الغالبية العظمى من الناس في العالم الثالث”[3].

وهناك دول أخرى تطمح إلى حجز مقعد في دائرة الدول القوية والموجهة للمسارات العالمية، تسخر الدراسات المستقبلية لاستكشاف مكامن القوة والضعف لدى الفاعلين في العلاقات الدولية، وفهم وإدراك المخاطر والفرص الممكنة في المستقبل والتي تعيق أو تخدم التوجه نحو دائرة القوة. وهذا النوع كذلك من الدراسات المستقبلية محكوم بهاجس القوة والسيطرة والتحكم.

وهناك دول لا تتوخى الوصول إلى دائرة القوة دوليا أو إقليميا وإنما الحفاظ على كينونتها في عالم مضطرب، وتفادي الابتلاع أو التلاشي، ويمكن اعتبار الدراسات المستقبلية التي تنجزها وقائية بامتياز وليست هجومية كما هو الحال لدى الدولة المتفوقة أو الدول التواقة للبقاء في دائرة القوة.

وهناك دراسات مستقبلية ليست خادمة لدول معينة، وتتوق إلى الانفلات من قبضة جيوسياسة القوة والاستحواذ، وتستهدف خدمة البشرية جمعاء وهذا النوع من الدراسات المستقبلية قليل. ولذلك أشار “ويندل بل” في كتابه أسس الدراسات المستقبلية إلى ” أن جمعا من المستقبليين قد ركزوا جهودهم على مستقبل أفضل للإنسانية كافة، وتحدثوا بأنه لا ينبغي أن يترك المستقبل لأولئك المستقبليين الاستثنائيين المحترفين مديروا الحرب الجدد الذين اشملت (مشاهدهم) في الاحتمالات على مئات من الحروب النووية حتى عام 2044″[4].

إن التفكير العالمي نحو مصير واحد، وبرؤية تشاركية هو مطلب مثالي ذلك أن أغلب الدول تخطط لمستقبل تكون فيه في أمان ولا تعتد بمستقبل الباقي، لكن المنطق السليم يقتضي النظر في المستقبل برؤية جماعية ولذلك يقول آل غور في كتابه (المستقبل: ستة محركات للتعبير العالمي): “بغض النظر عن الدولة التي نقيم فيها، ونحن كبشر نواجه الآن خيارين:  إما أن تجتاحنا التيارات القوية للتغيير التكنولوجي والحتمية الاقتصادية وتجرفنا إلى مستقبل يمكن أن يهدد القيم الدفينة لدينا، وإما أن نبني القدرات التي تمكنا من صنع القرار الجماعي على نطاق عالمي، ما يسمح لنا، بتشكيل ذلك المستقبل بطرق تصون الكرامة البشرية وتعكس طموحات وتطلعات الأمم والشعوب”[5].

إن أهداف الدراسات المستقبلية، إما أن تكون أخلاقية أو غير أخلاقية؛ إما أن تكون استحواذية وانتهازية واستعمارية وانتهاكية وإما أن تكون خادمة لبقاء الإنسان وصون كرامته ومراعاة لمراد الله في خلقه.

ويعتبر ويندل بل من المستقبليين الذين حاولوا تحديد مهام الدراسات المستقبلية حيث أكد على أنها “اكتشاف أو ابتكار وفحص وتقييم واقتراح ومستقبلات ممكنة أو محتملة”[6]، كما ذكر تسعة مهام أساسية تتولى الدراسات المستقبلية تحقيقها وهي كالتالي[7]:

  • بذل الجهد الفكري والخيال في صياغة تصورات لمستقبلات ممكنة، حتى ولو لم يكن ممكنا تحقيقها، والغرض من ذلك انفساح مجال الخيارات البشرية.
  • دراسة مستقبلات محتملة Probable future.
  • دراسة صور المستقبل Images of the future .
  • دراسة الأسس المعرفية للدراسات المستقبلية.
  • دراسة الأسس الأخلاقية للدراسات المستقبلية
  • تفسير الماضي وتوجيه الحاضر.
  • اعتماد التكاملية المعرفية أو تضافر المعارف .
  • التشاركية في بناء وتصميم التوجهات المستقبلية.
  • اختيار تصور مستقبلي واعتماده والترويج له.

وتختزل أهداف الدراسات المستقبلية لدى (روى أمارا) في ستة وهي كالتالي”[8]:

  • تحديد وفحص الدراسات المستقبلات البديلة (…)
  • توصيف درجة عدم اليقين المصاحبة لكل احتمال أو مستقبل بديل.
  • تحديد المناطق الحاكمة التي تمثل إنذارات أو تحذيرات من مستقبلات معينة وذلك لأن دراسة المستقبل تهتم أساسا بالتعرف على العديد من المفاتيح الممكنة المتقدمة حول التغييرات المتطورة.
  • فحص مجموعة متنوعة من المتتاليات أو المترتبات.
  • اكتساب فهم للعملية الضمنية للتعبير لأن فهمنا هو غالبا ما يكون غير كاف لنواتج الاستشراف طويل المدى مع أي درجة من اليقين بسبب أهمية الأحداث غير المتوقعة والأحداث الطارئة أو العارضة.
  • شحذ معارفنا وفهمنا لأفضلياتنا”.

وعموما، فمهما تعددت الأهداف وتم الاختلاف بين الباحثين حول مهام الدراسات المستقبلية، فإن الهدف الأكبر، هو شحذ العقول لتصور مستقبل مرغوب فيه والتخطيط له بواقعية وبحنكة علمية وسياسية.

د. خالد ميار الإدريسي

رئيس تحرير مجلة مآلات، فصلية محكمة تعنى بالدراسات الاستشرافية

الهوامش:

[1]  عبد الله  بن محمد المديفر: الدراسات المستقبلية وأهميتها للدعوة الإسلامية، مرجع سابق، 87.

انظر كذلك:

حسيب وآخرون: مستقبل الأمة العربية التحديات والخيارات، (بيروت، مركز دراسات الوحدة العربية 1988) ص: 528.

[2]  عبد الله بن محمد المديفر: الدراسات المستقبلية وأهميتها للدعوة، مرجع سابق، ص: 91.

[3]  نفسه، ص: 93.

[4]  نفسه، ص: 93.

[5]  آل غور: المستقبل، مرجع سابق، ص:194.

وأشار آل غور إلى أحد التقارير: “غير أن التقرير الذي صدر أخيرا عن نظام تحليل السياسات والاستراتيجيات الأوروبي (ESPAS) يتوقع تقديرنا أن يتضاعف عدد أبناء الطبقة الوسطى العالمية في السنوات الاثنى عشرة القادمة من مليارين إلى أربعة مليارات نسمة، وسيصل إلى ما يقرب من خمسة مليارات نسمة بحلول العام 2030.

ويضيف التقرير “بحلول العام 2030 من المرجح أن تتلاقى مطالب واهتمامات الناس في العديد من البلدان المختلفة عند نقطة واحدة، ما سيكون له أثر بالغ في السياسات الوطنية والعلاقات الدولية. وسينجم هذا بشكل أساسي عن ارتفاع مستوى الوعي لدى جميع المواطنين في العالم الذين يتقاسمون الطموحات والمظالم. هذا الوعي يرسم بالفعل أجندة مواطنية عالمية تؤكد الحريات الأساسية، والحقوق الاقتصادية والاجتماعية، وبشكل متزايد، القضايا البيئية”. ص: 193.

انظر نص التقرير:

  • Strategy and Policy Analysis System, Global Trends 2030 – Citizens in Interconnected and Polycentric world. In www.iss.

[6]  جميل، أمينة: ماهية الدراسات المستقبلية، مرجع سابق، ص: 42.

[7]  انظر تفصيل ذلك لدى:

جميل أمينة: ماهية الدراسات المستقبلية، ص: 42 – 43.

[8]  انظر تفصيل ذلك:

عامر، طارق: أساليب الدراسات المستقبلية، مرجع سابق، ص: 26 – 28.

ضياء الدين زاهر: مقدمة الدراسات المستقبلية، مرجع سابق، ص: 56 – 57.

شارك:

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *