«الانهيار العصبي».. مرض العصر | مسارات

«الانهيار العصبي».. مرض العصر

الرئيسية » حياة وبيئة » «الانهيار العصبي».. مرض العصر

«الانهيار العصبي».. مرض العصر

نتعرض جميعاً في حياتنا لكثير من الضغوط سواء في العمل أو الحياة الشخصية، ويمكن أن تمثل بعض المواقف نوعاً من هذه الضغوط، وعلى سبيل المثال وفاة صديق أو شخص عزيز، أو التعرض لخسارة كبيرة في العمل، أو خيانة من أحد المقربين.

وينجح الكثيرون في التغلب على هذه الضغوط ولا يتأثر بها، إلا أن البعض لا يتمكن من ذلك ويقع تحت أضرارها، وبالتالي فإنه يسقط فريسة للانهيار العصبي.

يعتبر مصطلح الانهيار العصبي أو العقلي وصفاً للاضطراب العصبي النفسي الحاد والمؤقت، وهو يظهر في شكل إجهاد وضغط نفسي حاد، ويكون مصحوباً باكتئاب وقلق.

ويمكن أن ينعزل المصاب بهذه المشكلة عن دائرة الأشخاص المهمين في حياته، وربما وصلت شدة الأعراض إلى درجة عدم استطاعته إنجاز الأعمال اليومية، وتستمر هذه الحالة حتى يشفى المريض من الانهيار.

ونتناول في هذا الموضوع مرض الانهيار العصبي، والعوامل والأسباب التي تؤدي إلى الإصابة به، والأعراض التي تظهر وكذلك نستعرض طرق الوقاية والعلاج التقليدية والحديثة.

إجهاد بدني وعاطفي

يستخدم مصطلح الانهيار العصبي في وصف فترة الضيق النفسي الشديد التي يمر بها المصاب، وكذلك للإشارة إلى عدد من الأمراض النفسية، كالاكتئاب والقلق واضطراب الضغط النفسي الحاد.

ولم يعد الانهيار العصبي مصطلحاً طبيا، بالرغم من أنه لايزال يستخدمه الكثيرون في وصف أعراض التوتر الشديد، وعدم القدرة على التعامل مع الصعوبات الحياتية.

وليس هناك تعريف متفق عليه لما يمثل الانهيار العصبي، وفي العموم فإنه ينظر إليه على أنه فترة من الإجهاد البدني والعاطفي صعبة الاحتمال، وفيها تضعف مقدرة المصاب على العمل بفعالية.

ويتميز الانهيار العصبي بطبيعته المؤقتة، وتتشابه أعراضه مع أعراض اضطراب ما بعد الصدمة، ويمكن أن يكون الإجهاد النفسي سبباً رئيسيا في الإصابة به، أو يكون عرضاً لمشكلة أخرى مثل الاكتئاب.

ويعتمد علاج الانهيار العصبي على الأدوية والعلاج النفسي لمساعدة المريض على التعافي من هذا المرض.

الأنواع وتأثيرها

يقسم الأطباء الانهيار العصبي إلى 3 أنواع، وذلك بحسب شدة الانهيار.

النوع الأول وهو الانهيار العصبي الأساسي الذي يرتبط بما يحمله الشخص من شعور سلبي داخلي، ويشعر أنه يحيا تحت ضغوط الحياة، وأنه لا يقدر على تحملها.

ويتميز في هذا النوع بعجز في الآليات أو الوسائل الدفاعية للجسم عن التأقلم مع هذه الضغوط، ولذلك يتعرض للانهيار العصبي الشديد، ويؤدي ذلك إلى تغيير مسيرة حياته، أو أن يصاب بأمراض خطيرة أو يمكن أن يصل الأمر إلى الموت.

وينتج النوع الثاني من الانهيار العصبي وهو الشديد، بسبب تعرض الإنسان لمشاكل أثرت في عقله الباطني، وهذا يجعله في أشد حالات التوتر، وينفجر لأقل مشكلة أو إثارة يتعرض لها، وتسمى هذه الحالة الانهيار العصبي التام.

ويصيب النوع الثالث المرفهين، وهم من ينقصهم الاستعداد النفسي لتحمل أي هزة يتعرضون لها، وذلك للرفاهية التي يعيشون فيها، ويؤدي ذلك إلى تعرضهم للانهيار عند التعرض لأي مشكلة، حتى ولو كانت بسيطة.

يتشابه بنوبة الهلع

يتشابه الانهيار العصبي مع نوبة الهلع، وذلك لأن الإجهاد فيهما يكون سببا رئيسيا في المشكلة، كما أن كليهما يكون مؤقتا.

ويحتاج المصاب بمرض الانهيار العصبي إلى السماح لمشاعره بأن تظهر، وتصبح بالتالي هذه المشاعر مسيطرة على جسده، ومن أمثلة هذه السلوكيات الهلع والخوف والهم والقلق والإجهاد، وتعتبر جميعها مسببة للانهيار.

وأظهر عدد من الأبحاث أن هناك خللاً كيميائيا في النواقل العصبية داخل الدماغ، وهذه النواقل هي مواد كيميائية تنقل الرسائل والإشارات بين أعضاء الجسم والدماغ.

يتعرض أي شخص للإصابة بهذه الحالة المرضية، ولكن الأشخاص الأكثر عرضة هم من يكونون تحت تأثير عدد من الضغوط، ومن لديهم تاريخ للإصابة بالاضطرابات العقلية في العائلة.

عوامل الخطر

تشمل عوامل خطر الإصابة بالانهيار العصبي استمرار الإجهاد، ووقوع حادث صادم في فترة زمنية قريبة، مثل حالة وفاة شخص عزيز.

ويتسبب في الإصابة بالانهيار الأزمات المالية الخطيرة، كخسارة مشروع كبير أو خسارة في البورصة، ويعتبر الطلاق من العوامل المؤدية للإصابة بالانهيار، وخاصة على المرأة، ويزداد الأمر سوءاً في حالة وجود أطفال وليس لهم معيل آخر.

وتلعب الإصابة ببعض الأمراض النفسية مثل الكآبة والقلق دورا في الإصابة بهذه الحالة المرضية، ويمكن أن يتعرض بعض المصابين بأحد الأمراض الخطيرة، مثل الإصابة بالسرطان للإصابة بالانهيار العصبي، وخاصة عند معرفته حقيقة مرضه.

الاكتئاب أكثر انتشاراً

يعاني المصاب بالانهيار العصبي عدداً من الأعراض، ربما تكون جسدية أو نفسية أو سلوكية، وتعتبر أكثر أعراض الانهيار انتشاراً هي أعراض الاكتئاب، وعلى سبيل المثال فقدان الأمل والتفكير في الانتحار أو إيذاء النفس.

ويصاب المريض بالقلق مع ارتفاع ضغط الدم، وتكون عضلاته متوترة، وربما عانى الدوخة ورعشة ورجفة.

ويعاني كذلك اضطرابات في الجهاز الهضمي، مثل الشعور بالغثيان واضطراب الشهية، ويمكن أن يكون هناك خلل في عمل القولون وعسر هضم، يصاحبه إمساك وصداع متكرر في الرأس. ويصاب كذلك باضطرابات النوم، مثل الإصابة بالأرق أو النوم لفترات طويلة، أو يعاني آلاماً وتعباً عقب الاستيقاظ في أماكن كثيرة من جسمه، كما يصاب بالهلوسة، وتقلبات المزاج الحادة، ونوبات من الهلع والذعر، وتشمل ألماً في الصدر، والانفصال عن الواقع، والخوف الشديد، وصعوبة التنفس.

جنون الارتياب والانسحاب

يمكن أن تتطور بعض الحالات إلى جنون الارتياب، حيث يظن البعض أن هناك شخصاً يراقبه أو يطارده، ويسترجع المصاب ذكريات أو أحداثاً من حوادث تعرض لها، والتي تشير إلى اضطراب ما بعد الصدمة غير مشخص.

ويتعرض المصاب بالانهيار لما يسمى بالانسحاب، حيث يتجنب الوظائف الاجتماعية، ويصاب مريض الانهيار العصبي بسوء التغذية، ولا يهتم بنظافته الشخصية، كما أنه يتغيب عن العمل أو ينقطع عنه تماما.

تتعرض العلاقات العاطفية للضعف لدى الرجل، حيث يسيطر عليه الشعور الدائم بالحزن، في حين تصاب المرأة باضطرابات وخلل في الهرمونات الأنثوية، وهو ما يؤثر على حياتها ومزاجها العام وعلى عادتها الشهرية.

أدوية تعالج السبب

يعتمد علاج الانهيار العصبي على الأدوية، والعلاج النفسي من خلال الحديث مع معالج نفسي، وربما توصف هذه الأدوية بحسب سبب الإصابة بالانهيار، ويتناول المريض مضادات الاكتئاب لمعالجة الاكتئاب، وإن كان يعاني القلق، فيتناول الأدوية التي تزيل القلق.

وتستخدم مضادات الذهان لمن يعاني الفصام، وتساعد مثبتات المزاج مرضى اضطراب ثنائي القطب، وتؤثر مضادات الاكتئاب في عمل الناقلات العصبية، غير أنها تتطلب وقتا حتى يظهر المفعول المهدئ لها.

ويجب متابعة هذا العلاج عن قرب، كما يجب على المريض ألا يتوقف عن تناول الدواء حتى عند شعوره بالتحسن، ولذلك حتى ينتهي من الجرعة التي يقررها الطبيب، من أجل التأكد من زوال هذه الحالة.

نفسي وسلوكي ومعرفي

يمكن أن يعطي العلاج النفسي نتيجة جيدة، إلا أن الاكتفاء به لا يفيد خاصة في حالات الانهيار العصبي الشديد، ويمكن كذلك اللجوء إلى العلاج السلوكي المعرفي.

يعتبر الحصول على استشارة مختص نفسي من أكثر أنواع علاج الانهيار استخداما، وفيه يستطيع المريض أن يتحدث عن كل ما يجول في خاطره دون خوف من إطلاق أي أحكام عليه.

وتعتبر هذه المعالجة النفسية من أهم الأنواع التي تهتم بمشاكل المريض الحالية، وتساعده على أن يتعامل معها، ويركز التحليل النفسي بشكل خاص على المواقف الحياتية السابقة للمريض، وذلك حتى يستطيع أن يواجهها ويتغلب عليها، وبالتالي يمنع حدوث انهيار في المستقبل.

يستهدف العلاج السلوكي المعرفي طريقة تصرف المريض، والذي يفكر ويشعر به، ويحاول علاج وتصحيح أي أمر سلبي في هذه النواحي الثلاثة، وتحويلها إلى أمر إيجابي.

طرق مفيدة

تفيد بعض الطرق في التعامل مع أعراض الانهيار العصبي، ومنها التنفس بعمق، والعد بصورة عكسية من الرقم 10، وذلك عند الشعور بالقلق.

ويجب على الشخص المعرض للإصابة بالانهيار تجنب تناول الكافيين والتدخين والكحوليات، مع اتباع نظام غذائي صحي يهدف إلى رفع معدلات السيروتونين في الجسم.

ويفيد وضع نظام للنوم، وذلك للمساعدة على محاربة الأرق بصورة جيدة، وربما يفيد حمام دافئ قبل النوم، مع تجنب استعمال الأجهزة الإلكترونية.

ويجب الاستعانة بالطبيب عندما لا يستطيع الشخص التعامل مع ضغوط الحياة، أو عندما لا يتعامل مع الإجهاد بشكل صحيح، أو عند وجود صعوبة في القيام بالمهام اليومية، لأن ذلك يعد علامة على الانهيار العصبي واضطراب الصحة العقلية.

إجراءات وقائية

يعتبر عدد من الأخصائيين أن الانهيار العصبي هو الأزمة العصرية للصحة النفسية، وكانت دراسة طبية قد أظهرت أن المشاكل العاطفية مثل الطلاق أو الانفصال تتسبب في حوالى 24% من الإصابة بالانهيار العصبي، وتتسبب مشاكل العمل والمدرسة في 17%، والمشاكل المالية في 11%.

وينصح الأطباء باتباع عدد من الإجراءات التي يمكن أن تقي من الإصابة بالانهيار العصبي، ويمكن كذلك أن تقلل من شدة أعراضه وتكرار حدوثه، من هذه الإجراءات ممارسة الرياضة، ويمكن أن تكون بسيطة مثل المشي، وتفيد ممارسة تقنيات الاسترخاء مثل التنفس العميق، والحد من التوتر عن طريق الحركة والقيام بأنشطة مختلفة.

ويجب على المحيطين بالشخص المصاب بالانهيار العصبي أو المعرض للإصابة به أن يعلموا أن هذا الشخص يكون أكثر حساسية، ولذلك فهناك كلمات يجب أن يتجنبوها، لأنها يمكن أن تفاقم حالة المريض، أو تؤدي إلى إصابة المعرضين للانهيار به، ومن هذه الجمل هناك مشاكل أسوأ مما تمر به، والغد أفضل، والحياة غير عادلة.

جريدة “الخليج”

شارك:

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *