معدلات «نقل الجينات الأفقي» تزداد في المجتمعات الصناعية

الرئيسية » حياة وتكنولوجيا » معدلات «نقل الجينات الأفقي» تزداد في المجتمعات الصناعية

تستضيف أجسامنا تريليونات الكائنات الحية الدقيقة التي يفوق عدد خلاياها خلايا الجسم نفسه وتتكون هذه من البكتيريا والفيروسات والفطريات وأشكال الحياة الأخرى في الأمعاء وتعرف مجتمعةً باسم «ميكروبيوم» microbiomes بالإضافة إلى عناصر المضيف المستمدة من مكونات البيئة التي تعيش فيها هذه الكائنات الحية الدقيقة. ويكتسب الميكروبيوم أهمية متزايدة نظراً للدور الذي تقوم به مكوناته من الكائنات الحية الدقيقة وتفاعلها مع بيئات الجسم المختلفة سلباً على الصحة من ناحية وإيجاباً من ناحية ثانية كالاعتماد عليها في هضم الطعام وإنتاج بعض الفيتامينات وتنظيم جهاز المناعة وحماية بعض أنواعها الحميدة لنا من بعضها الآخر المسبب للأمراض وغير ذلك.

تمرير الجينات

وقد كشفت دراسة حديثة أجريت على التجمعات البشرية في جميع أنحاء العالم عن اختلاف معدلات نقل الجينات في بكتيريا الأمعاء اعتمادًا على نوع المجتمع الذي يعيش فيه هؤلاء الأشخاص، وأن هذه المجموعات البكتيرية يمكن أن تعيد تشكيل نفسها خلال عمر مضيفها عن طريق تمرير الجينات ذهابًا وإيابًا. وأظهر الباحثون أيضًا أن هذا النوع من نقل الجينات يحدث بشكل متكرر في الميكروبيوم للأشخاص الذين يعيشون في المجتمعات الصناعية ربما استجابة لأنماطهم الغذائية وأنماط حياتهم المحددة، وأن تكرار التبادل الجيني بين الميكروبات في أمعاء الشخص مرتبط بنوع المجتمع الذي يعيش فيه وفقًا لدراسة دولية كبيرة نشرت في31 مارس 2021 في مجلة «سيل» Cell.

وقام الباحثون بقيادة إريك ألم عالم الأحياء الدقيقة ومدير مركز التكنولوجيا للمعلوماتية والعلاجية في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا في الولايات المتحدة بتحليل الحامض النووي البكتيري لتحديد الحالات الأخيرة لنقل الجينات الأفقي horizontal gene transfer (HGT). وهي عملية تسمح للخلايا الفردية بخلط جينوماتها واكتساب وظائف جديدة من كائنات أخرى في المجتمع الميكروبي دون الحاجة إلى التكاثر أما نقل الجينات العمودي فيحدث عندما يتلقى الكائن الحي الجينات من أسلافه الأبوية. ويقول إريك ألم إن الأنواع الموجودة في القناة الهضمية كثيرًا ما تتبادل المواد الجينية وإنها تفعل ذلك أكثر إذا كانت تعيش داخل الناس في مجتمعات صناعية أو حضرية أكثر مما تفعله إذا كان مضيفوها يقيمون في بيئات ريفية أو بيئات أقل تطورًا. ويضيف «قد تكون إحدى النتائج غير المتوقعة للبشر الذين يعيشون في المدن هي أننا خلقنا ظروفًا مواتية جدًا للبكتيريا التي تعيش في أحشائنا وتتبادل الجينات مع بعضها البعض».

وفي حين أن الأسباب الدقيقة لهذه التغييرات غير معروفة، فإن العوامل المرتبطة بتطور المجتمعات الصناعية وجود تأسيسات الصرف الصحي، واستهلاك الأطعمة المصنعة وتكرار العمليات القيصرية وزيادة استخدام المضادات الحيوية من المحتمل أن تلعب أدوارًا رئيسية في إعادة تشكيل ميكروبيوم الأمعاء. ويمكن أن تحدث هذه الاضطرابات في النظام البيئي للأمعاء بعد فترة وجيزة من انتقال الأفراد من المناطق غير الصناعية إلى المناطق الصناعية وتستمر لسنوات.

تكيف ميكروبي

وجد فريق البحث العديد من التلميحات للتكيف الميكروبي مع أنماط حياة المضيف المعين، فعلى سبيل المثال تبادلت العديد من الميكروبيومات التي درسها الفريق، جينات مقاومة المضادات الحيوية. لكن هذا كان واضحًا بشكل خاص في أحشاء أفراد شعب داتوجا في ريف تنزانيا في أفريقيا الذين «بدأوا مؤخرًا في استخدام المضادات الحيوية في ماشيتهم وخاصةً التتراسيكلين» كما يقول ماتيو جروسين عالم الأحياء الدقيقة في الفريق البحثي والمؤلف المشارك في الدراسة: «نرى الكثير من الجينات المقاومة للمضادات الحيوية المشاركة في استقلاب التتراسيكلين يتم تبادلها بين البكتيريا في ميكروبيوم الأمعاء».

وقد تتبادل الميكروبيومات في المجموعات البشرية غير الصناعية بانتظام، الجينات المشاركة في استقلاب الكربوهيدرات مما قد يعكس اعتماد هذه المجتمعات على الأطعمة التي تحتوي على نسبة عالية من الكربوهيدرات المعقدة مثل الفواكه والخضراوات الطازجة. وبالمقارنة مع الميكروبيومات غير الصناعية تبادلت الميكروبيومات في المجتمعات الصناعية المزيد من الجينات المشاركة في ضراوة البكتيريا (شدة الإمراضية)، وهو اكتشاف يمكن أن يكون له آثار سريريه كما يقول جروسين. من ناحية أخرى وضع جاستن سونينبيرج عالم الأحياء الدقيقة في جامعة ستانفورد وزميلته إيريكا زونينبيرج نظرية مفادها أن التغييرات التي يسببها التصنيع في ميكروبيوم الأمعاء يمكن أن تسهم في ظهور مرض السكري وغيره من الأمراض غير المعدية الشائعة في العديد من المجتمعات الصناعية.

تبادل السمات

اعتمادًا على الأنواع وجد الباحثون أن البكتيريا قد تحصل على ما بين 10 و100 جين جديد كل عام، وأن معدل تبادل الجينات كان أعلى بشكل ملحوظ لدى الأشخاص الذين يعيشون في المجتمعات الصناعية. كما رأوا اختلافات في أنواع الجينات التي يتم تبادلها بشكل شائع. على سبيل المثال وجدوا أنه من بين الرعاة الذين يعالجون مواشيهم بالمضادات الحيوية فإن جينات مقاومة المضادات الحيوية هي من بين الجينات التي يتم تبادلها بأعلى المعدلات ووجدوا أيضًا أن الأشخاص من المجتمعات غير الصناعية وخاصةً الصيادين، لديهم معدلات عالية من تبادل الجينات للجينات التي تشارك في تحلل الألياف. ويقول الباحثون إن هذا أمر منطقي لأن هؤلاء السكان عادة ما يستهلكون أليافًا غذائية أكثر بكثير من المجموعات البشرية الصناعية

ومن بين الميكروبات الموجودة في المجتمعات الصناعية وجد الباحثون معدلات عالية بشكل خاص لتبادل الجينات التي يتمثل دورها في تسهيل نقل الجينات حيث تتمتع هذه الميكروبات أيضًا بمعدلات تبادل أعلى للجينات المشاركة في الضراوة. ويبحث الباحثون الآن في كيفية تأثير هذه الجينات على الأمراض الالتهابية مثل متلازمة القولون العصبي والتي تظهر في كثير من الأحيان في المجتمعات الصناعية أكثر من المجتمعات غير الصناعية.

الشرق الأوسط

شارك:

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *