قفاز يُمَكن فاقدي السمع والبصر من التواصل عبر الإنترنت

الرئيسية » إعلام ورقميات » قفاز يُمَكن فاقدي السمع والبصر من التواصل عبر الإنترنت

قفاز يُمَكن فاقدي السمع والبصر من التواصل عبر الإنترنت

في أغلب الأحيان، يُجبر الأشخاص الذين يعانون من الصمم وفقدان البصر على العيش في عالم محدود ومعزول. لكن هل يمكن لقفاز جديد ابتكر مؤخرا أن يفتح الباب أمامهم للتواصل مع من حولهم على نحو أيسر؟ الصحفية ليزلي أوغدِن إيفانز تسلط الضوء على هذا الموضوع.

من الجيد أن يبقى الناس على اتصال، وذلك ما يعرفه جيدا كلٌ من إدي هوغ، ولورا شفنغبر على وجه الخصوص. فالاثنان صديقان منذ نعومة أظفارهما. وخلال العام الأول من عمر صداقتهما، أدى تلف في الأعصاب – ناجم عن عيب جيني موروث – إلى سلب هوغ قدرته على السمع والإبصار وهو في التاسعة من عمره.

لكن الأطفال مبتكرون بالفطرة. تقول شفنغبر: “بدأنا في ابتكار لغات وأنماط من التواصل، فقط لأننا كنا طفلين ونريد اللهو واللعب. كان من المزعج أنه عاجز عن أن يسمعني، وكذلك كوني غير قادرة على أن أدون (له) شيئا مكتوبا”. ولذا، ابتكر الاثنان ما يمكن أن نسميه “لغة لمس” خاصةً بهما.

وعندما أصبح هوغ وشفنغبر أكبر سنا، استعاضا عن لغتهما الخاصة بـ”لغة لمس” قابلة للفهم على نطاق أوسع، وتعرف باسم لغة “لورم”. وتتألف هذه اللغة من أبجدية يمكن التعبير عنها عبر ضربات وربتات على اليد، وقد تم ابتكارها في القرن التاسع عشر، على يد هيرونيموس لورم، وهو اسم مستعار مجهول المصدر لشاعر وصحفي وروائي نمساوي المولد يُدعى هينريش لاندزمان.

ولا تزال لغة “لورم” مستخدمة حتى اليوم من قبل الأشخاص الذين يعانون من فقدان السمع والبصر في البلدان الناطقة باللغة الألمانية.

وعلى أي حال، فمن العسير القول إن ثمة مغالاة في الأهمية التي تكتسبها هذه اللغة بالنسبة لـ”هوغ” وشفنغبر. ولكن لغة “لورم”، ومثيلاتها من أنماط التفاهم عبر إصدار إشارات يتم نقلها عبر اللمس، لها حدودها في نهاية المطاف.

فالاعتماد على الملامسة والتواصل الجسدي المباشر بين فاقدي السمع والبصر أدى – تاريخيا – إلى تضييق نطاق دوائرهم الاجتماعية، لتنحصر في أشخاص يمكنهم لقاؤهم – على نحو منتظم – وجها لوجه فحسب.

بل إنه حتى بداخل هذه المجموعة المحدودة نسبيا من الأشخاص، فإن من كرسوا منهم جانبا من وقتهم لتعلم كيفية التواصل بلغة “لورم” وممارسة ذلك؛ هم فقط من سيكون بوسعهم أن يشكلوا بالفعل جزءا من تلك الدائرة الاجتماعية للشخص الذي يعاني من الصمم وفقدان البصر.

فعلى سبيل المثال، لا تضم الدائرة الاجتماعية لـ”هوغ” في الوقت الراهن سوى نحو خمسة أشخاص: والدته، وشفنغبر، ومن يتولون التدريس له ومعالجته. وفي كل عام، يقضي هوغ قرابة 10 أيام في زيارة أقارب له بمدينة شتوتغارت جنوبي ألمانيا.

لكن المشكلة، كما تقول شفنغبر، تتمثل في أن هؤلاء الأقارب “يكونون بحاجة خلال الأيام الخمسة الأولى من الزيارة لممارسة التخاطب مع هوغ بلغة “لورم” حتى يتسنى لهم تذكر كيفية التعبير عن الحروف بهذه الوسيلة، وبحلول اليوم العاشر، أي عندما يكون بوسعهم التواصل عبرها بسرعة كافية، يكون الوقت قد حان للعودة إلى المنزل”.

لكن مثل هذه العيوب قد تتلاشى عما قريب، إذا ما جرى الاستفادة من اختراع جديد، ابتكره باحث يُدعى توم بيلينغ، على نطاق تجاري.

ترجمة باللمس

وقد طوّر بيلينغ، وهو باحث بمختبر “ديزين” في العاصمة الألمانية برلين، قفازا مزودا بمجسات لاستشعار الضغط، مصنوعة من النسيج. وعبر ترجمة الحروف الأبجدية، التي تُنقل عبر اللمس إلى يد المكفوف الأصم، إلى نص رقمي؛ قد يؤدي استخدام هذا القفاز المحمول إلى إنهاء الحاجة إلى وجود اتصال بدني مباشر بين أيادي الصم المكفوفين كشرط لازم للتواصل بينهم.

أما ما هو أفضل من ذلك، فإنه بالنظر إلى أن جانبا كبيرا من الاتصالات التي تجري عبر شبكة الإنترنت تعتمد على التواصل من خلال النصوص المكتوبة، فإن القفاز الجديد يمكن أن يُستخدم كوسيلة للترجمة من شأنها السماح للصم المكفوفين بالتواصل بحرية مع أي شخص آخر، والعكس بالعكس بطبيعة الحال.

ويُذكّر ذلك الابتكار بالآلات والأدوات الغريبة التي تظهر في أفلام جيمس بوند. وقد قاد ذلك الابتكار مخترعه إلى الفوز بأولى جوائز مسابقة “فولينغ وولز لاب 2014″، وهي المسابقة التي تُقام سنويا في برلين.

وتشكل هذه المسابقة مزيجا ما بين سلسلة المؤتمرات التي تُقيمها كل عام مؤسسة “سبالينغ” لنشر الأفكار الجديدة والمبتكرة والتي تحمل اسما مختصرا هو (تيد)، وسلسلة “دراغونز دين” التليفزيونية التي تُتاح في إطارها الفرصة لأصحاب المشروعات لطرح أفكارهم على خمسة من المليونيرات، في محاولة لحملهم على تمويل مثل هذه المشروعات.

ويقول توم بيلينغ إن أول نموذج تجريبي من اختراعه الجديد صُنّع من نسيج يحمل اسم “غور- تيكس”، وهو عبارة عن نسيج مضاد للماء يمكن للهواء النفاذ منه في الوقت نفسه. وبدا القفاز قريب الشبه للغاية بالقفازات العادية، ولكنه مُزودٌ بمحركات هزازة دقيقة للغاية.

وكما يقول مبتكر القفاز إنه “بمجرد أن يتلقى المرء رسالة ما، تبدأ (هذه المحركات) في الاهتزاز فوق النقاط التي تقع فيها الحروف” المؤلفة لتلك الرسالة. وفي النسخة المُستخدمة حاليا، بوسع من يرتدي هذا القفاز التحكم في كثافة وسرعة الإشارات التي يتلقاها باللمس، وفقا لمدى قدرته على متابعتها وفهمها.

أكثر من ذلك، فقد أصبحت كامل مساحة يد القفاز مجهزة لكي تستشعر أي إشارات يجري إرسالها إليه، “تماما مثل (الكمبيوتر) اللوحي”، كما يقول بيلينغ. ويضيف أن “النظام يتعرف على موضع الأصبع ونمط حركته كذلك”، وهو ما يتيح الفرصة أيضا للمستخدمين لاستيضاح معاني الرسائل الواردة إليهم.

فإذا لم تكن الإشارة الواردة قد “كُتبت” على نحو صحيح، فإن النظام المستعمل في القفاز – والذي يعتمد على أبجدية “لورم” – يتعرف على أقرب رمز صحيح ممكن، ليُفهَم منه الحرف المطلوب، أي أنه يعمل على ذات الشاكلة التي يعمل بها نظام تدقيق الهجاء في الهواتف الذكية.

ويضرب بيلينغ مثالا بالقول إن رسم دائرة بإشارات اللمس على اليد يرمز لحرف “إس” باللغة الإنجليزية، ولذا فإذا ما أرسل شخص ما إشارات من شأنها رسم شكل مثلث أو مربع، فإن لدى النظام البراعة الكافية لاستنباط أن ذلك يشير إلى الرمز الخاص بحرف “إس”، باعتبار أن رمز الدائرة هو أقرب رمز صحيح للرمز الذي استقبله القفاز.

“تعزيز الاستقلالية”

وفي حديث نُقل إلينا بفضل ترجمة لورا شفنغبر، وصف إدي هوغ النموذج التجريبي للقفاز بأنه يتسم ببطء نسبي، فيما يتعلق بقدرته على ترجمة الرسائل المُتلقاة عبر خاصية اللمس، مقارنة بما اعتاد عليه هوغ.

وتقول شفنغبر إن سرعة القفاز في نقل الإشارات تضاهي سرعة “مدرسته أو والدته (في التواصل) بلغة لورم”، مقارنة بإيقاعها هي السريع في التواصل بهذه اللغة. ولكن هوغ “يحب هذا القفاز بحق”، كما تقول شفنغبر. وعبر هوغ عن ذلك بالقول إن بوسعه من خلال هذا القفاز “الإرسال والاستقبال، إنه أمر سهل”.

ويشكل مشروع بيلينغ الخاص بذلك القفاز جزءا من دراساته لنيل درجة الدكتوراة، وهي الدراسات التي تستهدف استكشاف الصلات ما بين التصور الذهني والقدرة.

فبرأي بيلينغ، يعد الشعور بالإعاقة مسألة متعلقة بالتصور الذهني ليس إلا، وكأنه – على سبيل المثال – مجرد منحدر من اليسير على أي إنسان أن يرتقيه، حتى وإن كان يجلس على كرسي متحرك.

ويأمل هذا الباحث في أن تُمكّن أفكاره الصم المكفوفين من التفاعل مع شريحة أوسع من مجتمعهم، وأن تتيح لهم الفرصة “للوصول إلى قدر أكبر من المعلومات، ومن ثم تعزيز الاستقلالية التي يتمتعون بها”.

ولكن بيلينغ يأمل كذلك في التعرف على نظم الاتصال البديلة التي يمكن أن ينتفع بها جميع البشر.

ويعيش هوغ ، الذي يبلغ عمره حاليا 22 عاما، مع والدته في منطقة سبريفالد الواقعة على نحو 100 كيلومتر جنوبي برلين. وهو يدرس طرق العلاج بالتدليك، آملا في أن تصبح تلك مهنته في المستقبل.

وتقول شفنغبر إن هوغ يريد الانتقال للعيش في برلين، ولكن هذا الأمر استعصى عليه حتى الآن، نظرا لمحدودية المساعدة المتوافرة له في هذا الشأن. ومن شأن استخدام القفاز الذي ابتكره بيلينغ، تعزيز قدرة هوغ على البقاء على اتصال وثيق بالمقربين منه، حتى وإن كان يقيم بعيدا عنهم من الناحية الجغرافية.

أكثر من ذلك، قد يتيح استخدام مثل هذا القفاز الفرصة لذلك الشاب لتوسيع دائرته الاجتماعية، تلك المحدودة جدا في الوقت الحالي.

العالم بين كفّيك

في الآونة الأخيرة، استمتع هوغ بالقدرة على استخدام موقع تويتر للتواصل الاجتماعي، وذلك بمساعدة شفنغبر. وبفضل ذلك الموقع، كان بمقدور هذا الشاب أن يتبادل أطراف الحديث مع من يحتاج إلى التواصل معهم، من أشخاص لا يعلمون قط أنه كفيف وأصم.

وتقول شفنغبر إن هوغ على مواقع التواصل الاجتماعي “ليس سوى شخص (يختفي) وراء حساب على تويتر، ويقول شيئا ما”.

أما هوغ فيصف الأمر – عبر ترجمة شفنغبر – بأنه أشبه بالمشاركة في أحد الاحتفالات الصاخبة أو المهرجانات، وذلك لأن الأمر في هذه الحالة لا يعدو “أن ترتدي قناعا، وتقول كل ما يحلو لك”. وتقول شفنغبر: “المضمون هو ما يهم وليس الشخص”.

ولذا يستمتع هوغ بردود الفعل التي يتلقاها من متابعيه على تويتر عندما ينشر تغريدات تتضمن أمورا طريفة أو مسلية، وهو أمر سيكون قادرا على القيام به على نحو أكثر يسرا واستقلالية، إذا ما بدأ في ارتداء القفاز الذي يستخدم لغة “لورم”.

وعندما سُئِل عن أول ما يعتزم قوله عندما يكون بمقدوره استخدام قفاز خاص به من هذا النوع، قال هوغ إنه سيتحدث من خلاله مع ابن عمه في مدينة شتوتغارت، لسؤاله عما إذا كان بوسعه تذكر اسم فيلم ممتع تحدثا عنه سويا مؤخرا.

في الكثير من الأحيان، يذهب هوغ وشفنغبر إلى السينما، حيث تقوم الفتاة بنقل أحداث الفيلم إلى صديقها الكفيف الأصم بالترجمة الفورية عبر اللمس.

في نهاية المطاف، يمكن القول إن معظمنا يتعامل مع ما يُعرف بـ”الثورة الرقمية”، ومنظومات الاتصال المذهلة التي توفرها، باعتبارها أمرا مفروغا منه.

وبالنسبة لأولئك الأشخاص ممن يكبلهم حاجز يتمثل في مشاهد يعجزون عن رؤيتها، وأصوات ليس بمقدورهم سماعها، فإن منظومات الاتصال هذه كانت في الماضي بمثابة أراض لم تستكشف معالمها.

لكن باستخدام ما يمكن أن نسميه “قفاز لورم”، فإن مثل هذا العالم ربما بات الآن بين كفّي كل من هؤلاء.

بي.بي.سي

شارك:

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *