مدخل للدراسات المستقبلية - نحو وعي بأهمية الممارسة الاستشرافية-7 -

الرئيسية » الأعمدة » دراسات استشرافية » مدخل للدراسات المستقبلية – نحو وعي بأهمية الممارسة الاستشرافية-7 –

مدخل للدراسات المستقبلية

– نحو وعي بأهمية الممارسة الاستشرافية –

– 7 –مدخل للدراسات المستقبلية - نحو وعي بأهمية الممارسة الاستشرافية-7

المبحث الثاني: تاريخ استشراف المستقبل

ثالثا:  استشراف المستقبل في أدبيات الخيال العلمي

لقد ساهم الدين ولازال في استنفار العقول للتفكير في المستقبل بأبعاده المتعددة، كما ان العلم بهواجسه وتطلعاته، استفز المفكرين للبحث عن حلول آنية ومستقبلية لقضايا علمية وعملية.

ويعتبر الخيال أساس الإبداع، بحيث يحلق بصاحبه في عوالم متعددة وغريبة ومتجاوزة لحدود المألوف والمعقول. ولا يمكن أن يكون هناك إبداع فكري في مجال الدراسات المستقبلية[1] بدون إعمال الخيال حتى ولو كان في غاية الجموح. ذلك أن تصور المشاهد المستقبلية غير المفكر فيها والمنسية والعجيبة، لا يتحقق بدون قدرة تخيلية هائلة ومبتكرة.

وساهمت أدبيات الخيال العلمي إلى حد بعيد في تطوير الاهتمام بشؤون المستقبل، ذلك أن الثورة العلمية فتحت آفاقا جديدة ورحبة وكذلك مخاوف كثيرة، ومن ضمنها الخوف من حرب نووية شاملة أو انتشار أمراض فتاكة بسبب التلاعب الجيني أو حدوث انقلاب على العنصر البشري، تقوده الآلات الذكية.

إن أدبيات الخيال العلمي، قد فتحت نوافذ جديدة وطريفة مطلة على المستقبل الممكن وغير الممكن. ويراد بالخيال العلمي (Science-fiction)[2] ذلك النوع الأدبي الذي يرتكز في مادته الإبداعية على واقع ومستقبل العنصر البشري في زمن مستقبلي قريب أو بعيد، وارتباط ذلك بالتحولات العلمية والتكنولوجية.

فأدب الخيال العلمي هو استكشاف أدبي لمسارات المستقبل والتي يؤثر فيها العلم بشكل جلي وحتمي. كما أن الخيال العلمي محاولة لصياغة حلول “خيالية” لمشاكل علمية مستعصية، مثل إشكالية السفر في الزمن؛ والانتقال من مجرة إلى مجرات أخرى بسرعة تفوق سرعة الضوء؛ أو الانتقال في العوالم المتوازية أو تمكين الإنسان الآلي من الوعي والحلم والعواطف.

وتقول الباحثة جميلة بورحلة: “استخدم البحث منذ بداية مصطلح “أدب الخيال العلمي” بوصفه مقابلا للمصطلح الأجنبي: (La littérature de la science-fiction)، الذي يعد الأكثر شهرة والأكثر استخداما وخصوصا بعد أن أعطى هوجو جرنسباك مصطلحا مبدئيا للنصوص المنشورة في المجلة الأولى من نوعها الخاصة بهذا الجنس، والتي انتشئت سنة (1926) بعنوان “قصص مذهلة” (Amazing stories) ثم سرعان ما حوّل هذا الناشر مصطلحه الأول (Scientifiction) إلى مصطلح آخر (Science-fiction) إذ أنه سنة 1929، أسس مجلتين أخريين خاصتين بدورهما بأدب النوع هما: “قصص عجائب العلم” (Science Wonder Stories) و”قصص عجائب الهواء” (Air Wonder stories) اللتان أدمجهما فيها بعد تحت تسمية “قصص العجائب” (Wonder stories) وفي أول عدد من مجلة “قصص عجائب العلم” الصادر في جوان سنة 1929) وصف ما سينشره فيها على أنه “أدب خيال علمي”. وعندما بلغ تأثير مدّ أدب الخيال العلمي الأمريكي في عصره الذهبي القارة الأوروبية، حوالي سنة (1950م)  لزم الفرنسيين، والأوروبيين عامة، استعمال المصطلح القادم من الولايات المتحدة الأمريكية (science-fiction) من أجل تلقيبه. فالأوروبيون وجدوه مصطلحا مناسبا لتسمية نتاجهم في أدب النوع انطلاقا من ذلك العام، وحتى تسمية النصوص الأدبية الخيالية العلمية السابقة للمصطلح، والتي تشغل الحيز الزمني القائم أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين (ومنها نصوص فيرن وويلز (Herbert George Wells)، أي قبل أن يتوجه وجهة أمريكية، حوالي (1925)، فيبلغ فيها مبلغ القوة والازدهار”[3].

وقد أطلق على الخيال العلمي تسميات متعددة ومن ذلك مصطلح “استباق علمي” (Anticipation Scientifique) ومصطلح “دعابة علمية” (Humour scientifique) ومصطلح “علم مروي” (science romancée) ومصطلح “الآداب الحدسية” (les litteratures Conjecturales) وهو مصطلح واسع يتضمن أجناسا أخرى مثل اليوتوبيا والرحلات العجيبة. كما أطلق المفكر المستقبلي جاك بيرجي على الخيال العلمي، مصطلح الآداب المختلفة (littératures différentes)، ذلك ان الخيال العلمي يختلف عن الأدب المعروف، من حيث الموضوع والإطار الزمني الذي تنم فيه القصة. كما صاغ دامون نايت مصطلح الخيال التأملي أو الافتراضي” (Fiction Spéculative) وأطلق جيرارد كلاين (Gérard Klein) على الخيال العلمي مصطلح “اليوتوبيا الحديثة” (Utopie moderne)[4].

وعموما يعتبر البعض بأن “أدب الخيال العلمي هو الفرع من الأدب الذي يتعامل مع تأثير التغيير على الناس في عالم الواقع، ويستطيع أن يعطي فكرة صحيحة عن الماضي والمستقبل، والأماكن القاصية. وغالبا ما يشمل أمورا ذات أهمية أعظم من الفرد أو المجتمع المحلي، وفي أغلب الأحوال تكون فيه الحضارة أو الجنس نفسه معرضا للخطر”[5].

ومن المصطلحات التي أطلقت على الخيال العلمي كذلك مصطلح الرواية المستقبلية[6]، لأن مجال اشتغال أدب الخيال العلمي هو المستقبل وشكل الحياة التي ستكون في المستقبل المتوسط أو القريب. وبالتالي فالرواية المستقبلية هي استكشاف لمآلات الفعل الإنساني في المستقبل في كافة المجالات ومن ضمنها العلم الذي يعتبر عند كتاب الخيال العلمي أساس التغيير والتحول في المستقبل. ولذا فإن الرواية المستقبلية هي نوع من تخييل المشاهد المستقبلية الممكنة والمستبعدة و”المستحيلة”. وهنا تكمن أهمية الخيال العلمي أو الرواية المستقبلية في تطوير مجال الدراسات المستقبلية.

إن الأعمال الأولى في مجال الخيال العلمي أو الرواية المستقبلية ترتبط بإبداع كل من الفرنسي جول فيرن (jules Verne) (ت 1905م) والانجليزي (هربرت جورج ويلز) (ت1946م). وأعمالهما رائدة في الخيال العلمي ومؤسسة لهذا التيار الأدبي.

وقد كتب جول فيرن مجموعة من الروايات[7] ومن بينها رحلة من الأرض إلى القمر وحول العالم في ثمانين يوما، وعشرون ألف فرسخ تحت الماء، وخمسة أسابيع في منطاد ورواية لم تنشر إلا في 1994 وهي باريس في القرن والعشرين. وقد تنبأ فرن في روايته من الأرض إلى القمر، بإمكانية وصول الإنسان إلى القمر؛ وللمؤلف عدة روايات في مجال الخيال العلمي؛ حيث تميز بغزارة الإنتاج.

أما الكاتب الانجليزي هربرت جورج ويلز، فقد ألف[8] رواية آلة الزمن (The Time Machine) وحرب العوالم وجزيرة الدكتور مرور والرجل الخفي وفي هذه الرواية حذر العالم من خطورة التطور العلمي الذي يفتقر إلى البعد الأخلاقي والإنساني.

كما ألف الكاتب مجموعة من الأعمال الفكرية التي حاول أن يتوقع فيها مستقبل البشرية، وقد غلبت عليه النزعة التشاؤمية لما رصده من تحول نحو الديكتاتورية[9].

ويعتبر كذلك هوجو جرنسباك[10] من أدباء الخيال العلمي وان لم يبلغ شهرة جول فيرن، فقد ألف رواية رالف 124 س 44+ (Ralph 124 c 44+) سنة 1911. وظهر كتاب آخرون لهم شهرة دولية مثل راي برادبوري (Ray Bradbury) وبيير بول (Pierre Boulle) ونورمان سبينراد (Norman Spinrad) وإسحاق أسيموف (Isaac Asimov) وجون فارلي (J. Varley) وكيرت فونجوت (Kurt Vonnegut) ومايكل كرايتون  (Michael Crichton) وغيرهم[11].

وهناك كتاب الخيال العلمي في العالم العربي مثل طالب عمران[12] وأحمد خالد توفيف وعز الدين عيسى ومصطفى محمود ورؤوف وصفي ونهاد شريف وصبري موسى وغيرهم.

ويبدو أن الرواية المستقبلية تحظى اليوم بالكثير من الاهتمام، بحيث تجذب اهتمام المنتجين في هوليود. وقد أنتجت أفلام كثيرة ذات التوجه المستقبلي. ومن ذلك روايات جول فيرن وغيره. ومن المعلوم أن أفلام الخيال العلمي تجني أرباحا هائلة ومن ذلك سلسلة أفلام حرب النجوم وماتريكسMatrixs[13] .

إن الرواية المستقبلية لها دور كبير في تنبيه صناع السياسة إلى الرهانات والتحديات المستقبلية والكوارث البيئية والطبيعية الناتجة عن التوظيف السيء للتكنولوجيا. ولذلك فإن الانتاج السينمائي يقرب للمشاهدين الصور والمشاهد المستقبلية للحضارة الإنسانية المتجهة نحو مزيد من الرفاه والتقدم وذلك بنبرة تفاؤلية أو نحو الدمار والولوج إلى عالم كارثي تنعدم فيه الإنسانية والديموقراطية والأخلاق وذلك ما تحاول تصويره الروايات المستقبلية المتناولة لقضايا التلاعب الجيني والاستنساخ وتحول الآلات إلى كائنات متحكمة في المصير البشري. ولذلك تعرف الرواية المستقبلية ” بأنها ذلك الفرع من الأدب الروائي الذي يعالج بطريقة خيالية استجابة الإنسان لكل تقدم في العلوم والتكنولوجيا. ويعتبر هذا النوع ضربا من قصص المغامرات، إلا أن أحداثه تدور عادة في المستقبل البعيد أو على كواكب غير كوكب الأرض، وفيه تجسيد لتأملات الإنسان في احتمالات وجود حياة أخرى في الأجرام السماوية، كما يصور ما يمكن أن يتوقع من أساليب حياة على وجه كوكبنا هذا بعد تقدم بالغ في مستوى العلوم والتكنولوجيا ولهذا النوع من الأدب القدرة على أن يكون قناعا للهجاء السياسي من ناحية وللتأمل في أسرار الحياة والإلهيات من ناحية أخرى”[14].

إن الرواية المستقبلية ليست مجرد جموح لخيال مبدع، بل هي إدانة أخلاقية كذلك للتخطيط المستقبلي الذي لا يراعي الضوابط الأخلاقية للتعايش الإنساني، فالاستشراف الحضاري يقتضي توقع مآلات الوجود الإنساني، ذلك أن الفكر الما بعد الإنساني Post humanisme يسعى إلى إقناع العالم بضرورة الانتقال من طور الإنسانية إلى ما بعد الإنسانية وإفساح المجال لكائن هجين ليحل محل الإنسان؛ ولذا فإن الرواية المستقبلية الجادة يمكن أن تساهم في التقليل من النزعة الانبهارية المفرطة بالعلم والتكنولوجيا، بل نقد الدوغمائية المابعد الإنسانية التي أصبحت تعتقد بكون التكنولوجيا قادرة على تمكين الإنسان من تحقيق “الخلود الأرضي”[15].

د. خالد ميار الإدريسي

رئيس تحرير مجلة مآلات، فصلية محكمة تعنى بالدراسات الاستشرافية

الهوامش:

 [1] – انظر دراسة ويندل:

 [2] – انظر موقع المجلة الرقمية المتخصصة في دراسة الخيال العلمي.

  • resf.revues.org.

 [3] – جميلة بورحلة: أدب الخيال العلمي بين الأدبية والعلمية – رسالة ماجستير، جامعة فرحات عباس، سطيف الجزائر 2010، ص: 110.

 [4] – نفس المرجع، ص: 109.

 [5] – نفسه، ص: 112.

 [6] – انظر:

  • resf.revues.org.

 [7] – انظر بعض روايات جول فيرن المترجمة والمنشورة في موقع مؤسسة هنداوي للتعليم والثقافة.

  • hindawi.org.

 [8] – انظر الترجمات التالية:

  • هربرت جورج ويلز: حرب العوالم. ترجمة شيماء عبد الحكيم طه، هنداوي، الطبعة الأولى 2013.
  • هربرت جورج ويلز: آلة الزمن ترجمة كوثر محمود طه، هنداوي، الطبعة الأولى 2013.
  • هربرت جورج ويلز: جزيرة الدكتور مورو، ترجمة أميرة علي عبد الصادق، هنداوي، الطبعة الأولى 2013.

 [9] – للاطلاع على بيبلوغرافيا هربرت جورج ويلز انظر موقع موسوعة الخيال العلمي:

  • empiref.free.fr
  • وله كتاب “توقعات” وكذلك كتاب “إنقاذ الحضارة: مستقبل الإنسانية المرجح” وله كتاب “المدينة الفاضلة الحديثة”. وساهم في مجلة الغد: مجلة المستقبل (Tomorrow : The magazine of the Future).
  • G. Well : Anticipations of the reaction of mechanical and scientific progresupon. Human life and Thought. Dodo Press, 2007.

 [10] – Hugo, Gerns back : Ralph 124c41+. Martino Fine Books, 2014.

وانظر دراسة حول هوجو:

  • Larry Steckler : Hugo Gernsback : Aman Well Ahead of his time. BookSurge Publishing 2007.

 [11] – اسحاق أزيموف له عدة مؤلفات منها:

  • La fin de l’éternité, Prélude à Fondation, Tyrann, les courants de l’espace…
  • راي برادبوري له كتابات منها:
  • L’homme illustré, chroniques  martiennes, Fahrenheit 451, la foire des ténèbres…
  • أما بيير بول فله مؤلفات منها:
  • La planète des singe, le bourreau, les jeux de l’esprit, le jardin de Kanashima, ….

أما نورمان سبينراد فله مؤلفات منها:

  • L’autre cote du reel, Jack barron et l’éternité, Rêve de Fer, Police du peuple, Oussama, Continent perdu…

 [12] – أما الروائي العربي طالب عمران فله مجموعة مكن روايات الخيال العلمي، منها:

  • الازمان المضلمة ومدينة خارج الزمن ةوفوضى الزمان القادم وأنفاق العوالم الأخرى وغير ذلك.

وللأديب نهاد شريف مجموعة من الأعمال منها على سبيل المثال: رواية قاهر الزمن (1966).

ويقول نهاد شريف: أن ادب الخيال العلمي هو فن عربي أصيل وليس مستلهما من الغرب، فهناك العديد من الاسهامات للكتاب العرب والكثير من الأفكار العلمية التي تم تسجيلها وتنبأت بما يشبه الخيال العلمي: انظر: رمزي بهي الدين: نهاد شريف عميد ادب الخيال العلمي على الرابط:

  • masress.com

 [13] – يقول طالب عمران:

لعل أول أفلام الخيال العلمي التي ظهرت في السينما الفيلم الذي أخرجه جورج ميلس عام 1902 وهو فيلم صامت بطول ست عشرة دقيقة، وقد استوحى قصته من رواية فيرن “من الأرض إلى القمر” وقصة ويلز “رجال القمر الأوائل”. (…) وتتابعت الأفلام فظهر “حرب النجوم”.Star War لجورج لوكاس الذي تحدث عن احتمال حدوث حرب فضائية…

  • انظر: عمران طالب. ادب الخيال العلمي ضمن الموسوعة العربية على الرابط:
  • arab-enay.an

وبخصوص ماتريكس (المصفوفة) يمكن الرجوع الى مجموعة من المواقع من ضمنها:

كما يمكن الرجوع إلى كتاب:

  • ميشيل حنا: ما هي الماتريكس؟ دار ليلى للنشر 2007.

 [14] – جميلة بورحلة، مرجع سابق، ص: 119.

 [15] – انظر الدراسة التي نشرتها حول ما بعد الإنسان في موقع مسارات:

وانظر كذلك:

  • Dominique le court : Humain, post humain. PUF 2003
  • Laurent Alexandre : la mort de la mort. JC la thés 2011.
شارك:

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *