«حوسبة الدماغ».. ترويض الذكاء الاصطناعي | مسارات

«حوسبة الدماغ».. ترويض الذكاء الاصطناعي

الرئيسية » إعلام وتكنولوجيا » «حوسبة الدماغ».. ترويض الذكاء الاصطناعي

«حوسبة الدماغ».. ترويض الذكاء الاصطناعي

أثارت تصريحات العالم سباستيان ثرون، الرئيس التنفيذي لشركة«أوداسيتي» الأمريكية للتعلم عن بعد، بأن إجمالي ما حققه البشر من اكتشافات في مجال الذكاء الاصطناعي لا يتجاوز 1% ما يمكن الوصول إليه جدلاً واسعاً حول مستقبل البشرية في ظل الثورة الهائلة، التي تحققها اكتشافات تقنيات الذكاء الاصطناعي يوماً بعد آخر. وبينما انحصرت مخاوف البعض من أن السيطرة الهائلة المتوقعة للروبوتات والتطبيقات الذكية ستحرم الملايين من فرص عملهم، ذهب البعض في تخوفه إلى أقصى مدى عندما تتفوق الآلات على مبتكريها، ويفوق ذكاؤها نظيرها البشري فتنقلب عليه مهددة حياته بالخطر.

هذه المخاوف ليست بالجديدة، ويحمل لواءها عدد من أهم العقول المؤثرة عالمياً ومنهم العالم ستيفن هاوكينج بروفيسور الفيزياء الفلكية بجامعة كمبريدج البريطانية، وإيلون موسك رجل الأعمال الأمريكي صاحب شركتي «تسلا» و«سبيس إكس»؛ حيث يتفقان على اعتبار تطور الذكاء الاصطناعي «تهديداً على منجزات الحضارة الإنسانية»، ويشاركهم تخوفهم الملايين الذين يتأثرون بما روجته روايات وأفلام الخيال العلمي عن هجوم جيوش الروبوتات على الإنسان في المستقبل، وسعيها إما إلى السيطرة عليه، أو التخلص منه. واليوم تجاوز الواقع كل هذه المخاوف؛ إذ لم يعد الجدل دائراً حول أهمية الذكاء الاصطناعي، الذي يعد ثورة رابعة في مسيرة تطور البشرية، ولا يقل أهمية عن تعرف الإنسان البدائي إلى النار، أو اكتشاف قوة المحرك البخاري، الذي مهد للثورة الصناعية الأولى؛ لكن التساؤل الآن تغير ليصبح: إذا كان الإنسان بالفعل بحاجة إلى تقنيات الذكاء الاصطناعي لتطوير حاضره، وبناء مستقبله، فكيف يمكن تحقيق السيطرة عليه، وضمان استمرار خدمته للبشرية؟

نستعرض هنا أهم الإجابات العلمية، التي طرحت خلال العامين الماضيين، التي ترى أن «حوسبة الدماغ» هي أفضل وسيلة لاستمرار سيطرتنا على «الذكاء الاصطناعي»، وتعني إذا كنا قلقين من تطور الآلات فليس هناك بد من «ترويضها» والانسجام معها، ومن هنا بدأت مشاريع تطوير «الرقاقات الدماغية الحاسوبية».

لغة رقمية

يعمل فريق علمي من جامعات الولايات المتحدة على تطوير رقاقات تُسمى «دابرا» تسمح لعقل الإنسان بالتخاطب مباشرة وبدقة عالية مع أجهزة الكمبيوتر؛ من خلال تحويل اللغة العصبية إلى لغة رقمية ثنائية تستخدمها الحواسيب.

فيليب ألفيليدا، مدير برنامج الهندسة العصبية لتصميم النظم التابعة لوكالة الدفاع الأمريكية للأبحاث المتقدمة قال: إن الرقاقة يمكنها تحويل المعلومات الكيميائية العصبية التي تنتجها خلايا المخ إلى لغة رقمية ثنائية تفهمها الحواسيب، ويمكن استخدامها لمراقبة المرضى الذين يعانون إصابات في الدماغ وهم عاجزون عن التواصل مع محيطهم، مشيراً إلى أن هذه الرقاقة تتحلل من خلال الخلايا عندما تصل إلى نهاية عمرها الافتراضي؛ وذلك يعني أنه لا حاجة إلى نزعها عبر عمليات جراحية.

ويؤكد ألفيليدا أنه ما تزال هناك تحديات كبيرة يجب تجاوزها قبل تحقيق حلم الاتصال المباشر بين الكمبيوتر والدماغ، من أهمها تطوير تقنيات حاسوبية قادرة على التعامل مع حجم الإشارات العصبية الهائلة للإنسان عبر عشرات الملايين من الخلايا.

ويضيف ألفيليدا: تفتح هذه التقنيات مجالاً جديداً لابتكار علاجات للاضطرابات العصبية التي ستساعد فاقدي السمع والبصر إلى جانب المصابين بأمراض دماغية. كما أنه يمكن أن يزود الجنود بطرق جديدة للتخاطب وتسليم الأوامر فكرياً في مناطق الحروب.

كفاءة العقل

تطور شركة «انتل» الأمريكية رقاقة عصبية أطلقت عليها loihi تحاكي الكيفية ذاتها التي يعمل بها الدماغ البشري معتمدة على التعلم الذاتي القائم على التغذية الاسترجاعية من البيئة، فهي تتعلم من تلقاء نفسها مستندة إلى البيانات، وتصبح أكثر ذكاء مع مرور الوقت تدريجياً، ولا تحتاج إلى البرمجة التقليدية ما يعد فجر عصر جديد من التعلم الآلي يتسم بذكاء بصري حاسوبي شبه بشري أكثر سرعة وأقل استهلاكاً للطاقة.

تحتوي الرقاقة العصبية على 130 ألف دائرة عصبية و130 مليوناً من نقاط الاشتباك العصبي، وكل نواة عصبية تحتوي على محرك تعلم يدعم عدداً من نماذج تعلم الآلة، من ضمنها التعلم تحت إشراف، والغير يكون خاضعاً للرقابة.

ومن أمثلة التطبيقات التي تعززها الرقاقة الروبوتات والأجهزة المعتمدة على تقنيات التعرف إلى الوجه أو كاميرات المراقبة أو أجهزة تحليل والطائرات دون طيار أو معالجة البيانات الخاصة بقطاع الصحة والأمن الإلكتروني أو دمجها داخل المدن الذكية.

مشروع موسك

بنهاية 2016 أعلن الملياردير الأمريكي إيلون موسك مؤسس شركتي«تسلا» للسيارات الكهربائية، و«سبيس إكس» عن إنشاء شركته الجديدة «نيورالينك» الهادفة إلى تطوير تقنية تربط الدماغ البشرية مع أجهزة الكمبيوتر؛ عبر رقائق في حجم الميكرون يتم زراعتها داخل الأدمغة وتمنح أصحابها قدرات خارقة تعادل قدرات الحواسيب في تنظيم المعلومات والربط فيما بينها؛ بهدف الحفاظ على تفوق الذكاء البشري على نظيره الاصطناعي.

وتتمثل خطة موسك أولاً في إنشاء واجهة دماغ حاسوبية BMIs لاستخدامها في مساعدة الأشخاص المصابين بأمراض الدماغ، اعتماداً على تقنية يمكن توظيفها طبياً، ويتوقع أن تكون متاحة خلال السنوات الأربع القادمة.

أما الهدف الأبعد ل«نيورالينك» فهو تطوير العلوم العصبية لمعالجة الأمراض، وفي نهاية المطاف على الإندماج مع البرمجيات، ما يمكنهم من مواكبة التطورات التي يحققها الذكاء الاصطناعي، والاتصال لاسلكياً مع العالم بطريقة طبيعية.

اعتمد موسك على فريق من خبراء الأعصاب والحاسوب من أجل إنشاء وحدة ضخمة من الخبراء يمكنهم التغلب على الصعوبات العدة التي يواجهها مشروعها الطموح ومن أهمها مشكلة«عرض النطاق» Bandwidth لمعالجة التكنولوجيا المتقدمة وإيجاد أساليب متناسقة حيوياً حتى لا يشعر الإنسان بأن الجسم الذي يتم زرعه في الدماغ كائن غريب. كما تعد مخاطر التعرض للقرصنة واحدة من أهم صعوبات التنفيذ؛ إذ سيصبح الدماغ البشري مثل الحاسوب يقبل الاختراق. أما المخاوف بشأن سماح هذه التقنية بقراءة أفكار الآخرين فعلق عليها موسك قائلاً: «إن أحداً لن يكون قادراً على قراءة أفكارك، فذلك يتعلق بإرادتك، أي أنه لن يحدث إذا لم ترغب في الإفصاح عنها للغير».

رقاقات بذاكرة خارقة

شهد غشت 2016 خلال مؤتمر F8 الخاص بمطوري موقع «فيسبوك» إعلان مارك زوكربرج عن تطوير واجهة دماغ حاسوبية جديدة ستنقل عالم التواصل بين أكثر من ملياري مستخدم للموقع إلى آفاق جديدة، ربما تصل إلى قراءة الأفكار والاستغناء عن النقر على لوحة المفاتيح.

وبينما تتطور الأبحاث في «نيورالينك» للوصول إلى أفضل تقنيات تربط بين الدماغ البشري والحاسوب، أعلن المليونير الأمريكي بريان جونسون عن تأسيس شركته الجديدة «كرنل» التي توظف 20 شخصاً فقط؛ لكنها تطمح لتطوير رقاقات تزرع في الأدمغة ستعمل على قراءة وبث موجات أخرى داخلها.

وستخصص أولى ابتكارات الشركة للمرضى، الذين يعانون قصور الأنشطة الدماغية، ويحتاجون إلى تعزيز وظائف بعض أجزاء الدماغ.

وستطور الرقاقات في المستقبل لتستخدم مع الأشخاص العاديين؛ بهدف تزويدهم بذاكرة خارقة، أو قدرة على القراءة السريعة، أو حتى إمكانية التخاطر مع آخرين زرعت لديهم نفس الشرائح.

ولا ينكر جونسون التحديات الهائلة التي تعترض مشروعه، ومنها كيفية تقبل الإنسان لإدخال تغييرات على أهم أعضاء جسده التي استقر أنها غير قابلة «للتغيير البنيوي المتعمد»، إضافة إلى المحاذير«الأخلاقية» التي تفرضها منح «قوى خاصة وخارقة» لأشخاص دون آخرين. وطرح جونسون للمرة الأولى مصطلح «الحقوق التطورية» للإنسان التي ستعد النوع الثالث من الحقوق التي سيحصل عليها البشر في المستقبل بعد الحقوق المدنية والدستورية.

مجلة «نيو ساينتست» نقلت عن جونسون قوله: رغم كل التطور الحاصل في أبحاث الدماغ وعلم الأعصاب، لا زال العلم غير قادر على ترجمة الموجات الدماغية إلى أفكار وصور ومشاعر وذكريات. إن الذاكرة مسار عصبي في الدماغ، وعندما تمر الإشارة العصبية عبره تتولد الذكرى المرتبطة به؛ لكن كيف تتحول هذه الإشارة إلى صور وأصوات في وعي الشخص، وهو اللغز الذي لم يتمكن العلم من فك شفرته حتى اليوم، ونعمل نحن اليوم على حله.

عبير حسين – جريدة “الخليج”

شارك:

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *