القرآن الكريم مؤسِّسا لإجماع الأمة اليوم 1/6

الرئيسية » الأعمدة » بصائر » القرآن الكريم مؤسِّسا لإجماع الأمة اليوم 1/6

الحديث عن القرآن الكريم باعتباره مؤسِّسا لإجماع الأمة اليوم، حديث تؤطره مقدمات منهجية، وتأسيسية وجب التنصيص عليها، واستحضار أبعادها المنهجية بهذا الصدد، وهي:

المقدمة الأولى: وهي أمر اعتقاديّ بامتياز؛ بحيث يعتقد الباحث اعتقادًا جازمًا أنّ القرآن المجيد كلام الله عز وجل ﴿لاَ يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلاَ مِنْ خَلْفِهِ﴾[فصلت:42]، ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾[الأنعام:38]، ﴿تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾[النحل:89]، فتتوفر عنده ضمن هذا الشرط مجموعة من المنطلقات التي تُلزمه بالجدّية القصوى وهو يبحث في القرآن المجيد، وتُلزمه بأن يحشد كل طاقاته وكل نباهته، وأنْ يتوفّز كل التوفّز قبل أن يدخل إلى عالم القرآن المجيد، فيكون توفّزه أكبر من توفّز الباحث الفيزيائي الذي يدخل إلى مختبره، ومن توفّز الطبيب الذي يدخل إلى عملية جراحية مما من شأنه أن يجعل نتائج البحث أبرك إن شاء الله.

المقدمة الثانية: أنّ الإنسان في حواره مع القرآن الكريم، وجَب أن ينتبه إلى أن العلوم التي يتحرك انطلاقًا منها، تعد في جُلها علومًا اجتهادية، اللهم إلاّ ما كان منها توقيفيًّا، كأبواب الاعتقاد، والفقه الثابت، المستندة أحكامهما إلى نصوص قطعية الثبوت والدلالة. وما عدا ذلك فمن العلوم الاستنطاقية “ذلكم القرآن فاستنطقوه” كما قال علي رضي الله عنه وأرضاه، أو كما قال سيدنا عبد الله بن مسعود “ثَوِّروا القرآن” أي استخرجوا خيراته، وهي علوم يكون الإنسان بصددها في حوار دائم مع الوحي انطلاقًا من مؤهلاته ومن أفقه المعرفي الذاتي، من أجل اكتشاف مفاتيح جديدة يدخل باستعمالها إلى عالم القرآن الرحيب.

وآية ذلك أنّ الله عز وجل يبين أنّ هذا القرآن جاء ميسرًا: ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾[القمر:17-22-32-40] أربع مرات، ثم في سورة مريم، ﴿فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ بِلِسَانِكَ لِتُبَشِّرَ بِهِ الْمُتَّقِينَ وَتُنْذِرَ بِهِ قَوْمًا لُدًّا﴾[مريم:97]، وهو تيسير مرتبط بالتدبر، ومرتبط بالنظر المستأنف في الوحي، من أجل إنتاج مجموعة من العلوم يمكن أن نصطلح على تسميتها “علوم التيسير”.

وهي علوم تنتج عن الوعي ببنائية القرآن المجيد، وتضمُّنِه لسنن قابلة للتعقل والإدراك من لدن الإنسان، بمقتضى المواءمة التي جعلها الله بين الإنسان والقرآن.

المقدمة الثالثة: أن يكون لدى الباحث وضوح في القضايا التي يريد أن يستنطق بخصوصها القرآنَ المجيد، إذ حين اتضاح هذه القضايا، فإنها تكون بمثابة التضاريس الفكرية، والنفسية، والوجدانية، التي من شأنها أن تمكّن الدارس من التقاط ما يتعلق في القرآن المجيد، بالمواضيع المبحوث فيها من إشارات؛ وإلا فسوف تغلب على البحث العموميةُ والسطحية.

فالإنسان الذي قد اشتغل في التربية مثلاً، ووقف على بعض إشكالاتها، وأدرك الأمور التي تقتضي الحل، ووقف على حيثيات التربية، يكون أكثر استعدادًا لتلقي الإشارات والآيات الموجودة في القرآن المجيد بخصوص هذه المسألة. أما إذا دخل إلى كنّ القرآن الكريم خالي الذهن، فإنّه سوف يُتخطّف ويُجتال بقضايا كثيرة ومتعددة، ولن يكون الاستنطاق للقرآن المجيد بخصوص المضمار المبحوث فيه كما هو مرجو؛ بمعنى أنّ بناء هذه التضاريس التمثلية والفكرية، التي سوف تُمكّنُ من التقاط الإشارات القرآنية المتعلقة بالقضية المدروسة، لا بد منه بين يدي الدخول إلى عالم القرآن الرحيب لبحثها.

المقدمة الرابعة: التي لابد منها أثناء بحث قضية الإجماع والوعي الجمعي في القرآن المجيد، هي أن يستحضر الإنسان في كل لحظة كونه إنسانًا ينتمي إلى الأسرة الآدمية الممتدة عبر الزمان والمكان، وأنه يشكل معها وحدة، ويعيش معها تحديات مشتركة لابد من العمل المتضافر لرفعها، مما يجعل من الإنسان القرآني كائنًا كونيًّا، يتبنّى هموم العالمين في كافة امتداداتهم، وهذا تنتج عنه حالة من المشاركة الوجدانية، تساعد على تَلقِّي إشارات القرآن الكريم بخصوص الوحدة والاجتماع، إشارات لا سبيل إلى تلقيها في غياب هذا الشرط النفسي والوجداني.

وهذا الشرط يعدّ بمثابة الإطار العام المحدّد للوجهات التي سوف ينطلق فيها الباحث حين يكون منفتحًا على هموم العالمين، ويكون عنده كل الافتقار وكل الإدراك اللذين مضت إليهما الإشارة.

المقدمة الخامسة: إننا في هذه المرحلة أحوج ما نكون إلى فتح الأبواب على الواقع كما هو، لنتمكّن من إدراكه على ما هو عليه، لنكون أقدر على تصييره ذلك الواقعَ الذي نحلم به، فكلنا نحلم بالتسامح وبالجمال، ونتوق إلى الوحدة، والاتحاد، ونرجو نبذ الفرقة والاختلاف، ونرفض واقع التجزيء والتمزيق والتعضية، ونحلم بأن تكون البشرية متعاونة على البر والتقوى فوق هذا الكوكب، ولكن الواقع يُثبت أن ثمة سوابق معرفية وبراديغمات تؤطر الأذهان، وتُوجِّه الواقعَ وسلوكَ الإنسان. وهي سوابق معرفية وبراديغمات تحتاج تتبعا، وتحليلا، ونقدا.

المقدمة السادسة: ضرورة مراعاة السياقات التاريخية، والحضارية، والثقافية، والفكرية، والاجتماعية، والسياسية، والمعلوماتية المتنوعة، التي تمر منها البشرية اليوم، والأمة الإسلامية بوجه الخصوص، ونحن نستنطق القرآن المجيد بخصوص هذه المجالات المركّبة، وهذا ضرب من الإدراك لا يمكن تأتّيه دون الاستثمار الزمني والنفسي والذهني والمادّي الملائم، والتقاط الإشارات القرآنية الهادية بخصوص الموضوعات المركبة كموضوعنا هذا، لا يمكن أن يتم دون التعاطي الميداني التفاعلي المباشر مع أهلِ ومكونات الحضارات المختلفة المعنية.

المقدمة السابعة: لا يمكن تصوّر وقوع أي استكشاف في هذا المجال أو غيره بدون استحضار ما يلزم من آليات منهاجية ولغوية، وكذا ما يلزم من مهارات ومقتضيات مادّية.

فهذه سبعة شروط متصلة بقضية التأسيس للإجماع والوعي الجمعي من خلال هاديات القرآن الكريم أردتُ الاستهلال بها من أجل استئناف فتح ملف هذه القضية المحورية.

شارك:

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *