الثورة الصناعية الرابعة تحتاج إلى قيادة بشرية من نوع مختلف

الرئيسية » إعلام وتكنولوجيا » الثورة الصناعية الرابعة تحتاج إلى قيادة بشرية من نوع مختلف

الثورة الصناعية الرابعة تحتاج إلى قيادة بشرية من نوع مختلف

أبدى أصحاب الشركات المجتمعون في المنتدى الاقتصادي العالمي “دافوس”، مؤخرا، مخاوفهم من الاعتماد المتزايد على الذكاء الاصطناعي في عالم العمل، داعين إلى ضرورة إعداد عمالة قادرة على مواكبة التغييرات والتطورات المستقبلية المتوقعة بفضل الثورة الصناعية الرابعة.

حذّر أصحاب الشركات المجتمعون في المنتدى الاقتصادي العالمي “دافوس”، مؤخرا، من الاعتماد المتزايد على الذكاء الاصطناعي في عالم العمل، ما قد يتسبب في خسارة وظائف كثيرة، حتى أن مقابلات التوظيف قد تحصل قريبا مع أجهزة كمبيوتر قادرة على تحليل أدق التفاصيل وصولا إلى تعابير الوجه.

وهذه التقنيات التي كانت حتى فترة قريبة خلت من ضروب الخيال العلمي مثل المنظومات الحسابية للتشخيص الطبي أو الروبوتات الذكية أو المركبات الذاتية القيادة، باتت تشق طريقها إلى العالم الواقعي.

وقال آلان دوهاز، رئيس مجموعة إديكو السويسرية وهي الأولى في مجال الوظائف المؤقتة، إن “مهنة التسويق حاليا تختلف تماما عما كانت عليه قبل خمس سنوات”. وأبدى “تفاؤله” حيال الإمكانات التي يتيحها الذكاء الاصطناعي الذي سينشئ وظائف جديدة.

وأوضح أن “التحدي الرئيسي يكمن في مزامنة وصول التقنيات الجديدة والطاقات التي ستحتاج إليها الشركات”.

وبيّنت دراسة نشرها منظمو المنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس أن حوالي 1.4 مليون وظيفة في الولايات المتحدة وحدها ستتأثر بالتقنيات الجديدة بحلول العام 2026.

وأشارت هذه الدراسة إلى أن 95 بالمئة من الموظفين الأكثر تضررا بشكل مباشر سينجحون في الحصول على وظيفة جيدة مع الخضوع لتدريب ملائم. ومن دون هذه التدريبات، قد يفقد 16 بالمئة من أفراد القوى العاملة حظوظهم في إيجاد عمل جديد.

وقال آلان روميلياك، رئيس مان باور في فرنسا، “نحن على طريق ثورة في القدرات”، لافتا إلى أن “المهن القائمة على خطوات متكررة”، سواء يدوية أو إدارية، “هي التي تواجه خطر الزوال”.

قيادة ذات طابع بشري

تفترض هذه القفزة التقنية وضع برامج تدريب واسعة مع الحرص أيضا على إدارة القلق لدى موظفين كثر. وطمأن روميلياك قائلا “يجب أن نشرح لهم أن التقنيات الرقمية ليست تهديدا”.

ومن بين المبادرات التي كُشف عنها في المنتدى الاقتصادي العالمي إعلان رؤساء مجموعات سيسكو واس إيه بي وسي إيه تكنولوجيز عن إطلاق منصة مشتركة تحمل اسم سكيلست، حيث يمكن للجميع تقييم قدراتهم واكتساب أخرى جديدة.

وقال تشاك روبنز، رئيس سيسكو، خلال مؤتمر صحافي “نعلم جميعا أن التكنولوجيا ستؤدي إلى استحداث وظائف وإلغاء أخرى”. ويترتب على عمالقة التكنولوجيا “مسؤولية” تدريب عمال جدد.

وبحسب ديفين وينيغ، رئيس مجموعة آي باي الأميركية، فإن الذكاء الاصطناعي سيفتح مروحة كبيرة من الفرص للزبائن خصوصا على صعيد جعل تجارب الشراء أكثر ملاءمة للحاجات الشخصية، والأمر سيان لموظفي المجموعة.

وقال “نتلقى يوميا اتصالات من آلاف الناس من أجل مهام بسيطة مثل استرجاع كلمات السر. هذا الأمر لا يحمل قيمة مضافة كبيرة لموظف في قسم خدمة الزبائن”، مشيرا إلى أن تقنيات التعرف اللغوي قادرة على فرز هذه الطلبات ومعالجتها تلقائيا لإيكالها بمهام أكثر أهمية.

أما شاران بورو، الأمين العام للاتحاد النقابي الدولي، فاعتبرت أن هذه القفزة التقنية الكبيرة ستفقد بعضا من زخمها من خلال إقرار تشريع “واضح جدا” للتأكد من وجود “تحكم بشري دائم” في تطبيق هذه التقنيات.

وعلى الرغم من أن موجات التقدم العلمي والتطور التكنولوجي غيّرت في الوقت الحالي الكثير من معالم حياة البشر اليومية والعملية، حيث أصبح يشوب الوظائف الكثير من النواقص، كفترات التنقل الطويلة ذهابا وإيابا، وصعوبة توفير الأيدي العاملة، وانخفاض الأجور، وفرص تنمية مهنية ضئيلة، إلا أن خبراء التكنولوجيا يرون أن كل ذلك سيتغير على يد العصر الرقمي الذي سيتيح الفرصة لإعادة اكتشاف بيئة العمل ومكانه.

وقد بدأ بالفعل العصر الرقمي في السنوات الأخيرة بوضع بصمته على بيئة العمل، حيث سمح بالعمل من أي مكان وفي أي وقت، ولعب دورا حيويا في تحقيق التوازن بين العمل والحياة الأسرية، إذ صار بمقدور العاملين استثمار رحلة الذهاب الطويلة إلى العمل، عبر القيام بالعديد من المهام الأخرى كتوصيل الأطفال إلى المدرسة وفي نفس الوقت يكونون متصلين من خلال الإنترنت بدوام يومي كامل.

وتعتبر القدرة على الاتصال من أحد المنتجات الثانوية الناتجة عن التكنولوجيا، فقد جعلت القدرة على الاتصال مساحة العمل أكثر شمولية، وأتاحت الفرصة لزملاء العمل للتعاون مع بعضهم على الرغم من الأميال والمحيطات التي تفصل بينهم.

ويشعر البعض من البشر في الوقت الذي لا تنفك مجهودات الباحثين والمتخصصين تعمل على تحسين أنماط الحياة، بعدم الارتياح إزاء هذا التغيير الخطير ذي الوتيرة المتسارعة، الذي ظهر من خلال استبدال بعض الشركات والمؤسسات لقواها العاملة بالأتمتة، وكنتيجة لذلك أثيرت العديد من التساؤلات حول هل الوظائف الآن في خطر؟

ومع ذلك يبقى من المستحيل التنبؤ بالمستقبل، ولكن بالإمكان النظر إلى الماضي لإيجاد أوجه التشابه التي قد توفر مؤشرات على اتجاه المسارات المستقبلية، فبالنظر إلى الثورة الصناعية التي حدثت في أوائل تسعينات القرن الماضي، يتبيّن أنها جلبت تكنولوجيات جديدة وطرقا مختلفة للعمل. وبالتالي وجد العديد من العمال المهرة أنفسهم يُستبدلون بالآلات والمعدات الجديدة والمتطورة.

وعلى الرغم من وجود حالات نزوح نتجت عن هذا التحول، إلا أن الثورة الصناعية أتاحت العديد من الفرص للتعليم لم تكن متاحة من قبل للعمال الزراعيين الذين كانوا يعيشون في المناطق الريفية، ودفعت إلى اعتماد مجموعة جديدة من المهارات المتطورة التي كانت ضرورية للتعامل مع الآلات الحديثة في ذلك الوقت.

وهذا ما يؤكد أن البشر مقبلون مستقبلا على مواجهة العواقب الحتمية لتطور هذه الثورة الرقمية، ولكن إذا كان التاريخ هو الدليل في هذه الحالة، فلماذا إذن لا يستطيع رواد الأعمال النظر في ماهية المهارات التي ستكون أكثر ملاءمة لمواكبة العصر ومن ثم يساعدون موظفيهم على اكتسابها وتطويرها؟

وساعد ظهور التكنولوجيا على تدمير القدرات البشرية، الجسدية والفكرية، فقد أصبح البشر قادرين على الاعتماد على الآلات والروبوتات من أجل إتمام المهام الأكثر تعقيدا والتي لا يستطيعون هم إنجازها، وسيستخدمون على الأرجح التقنيات الرقمية مثل الذكاء الاصطناعي وتعلم الآلة من أجل تعزيز مهاراتهم وإمكانياتهم.

ويعوق نقص مهارات تكنولوجيا المعلومات في بعض القطاعات وبعض الأسواق بالفعل مسار هذا التحول الرقمي، إذ أن العديد من الحكومات وأصحاب الأعمال يشجعون الآن الشباب على دراسة العلوم والرياضيات والهندسة من أجل زيادة أعداد المرشحين المستقبليين للعمل بمجال التكنولوجيا.

كما يمكن أيضا جذب المزيد من الإناث للمشاركة في صناعة التكنولوجيا، فحتى الآن، تشارك المرأة بنسبة ضعيفة في هذا المجال، حيث أن نسبة 24 بالمئة فقط من القوى العاملة في مجال تكنولوجيا المعلومات والاتصالات هي من الإناث، وفقا لنتائج تقرير المنتدى الاقتصادي العالمي “الفجوة بين الجنسين في الصناعة”.

ويجب أن تؤول الوظائف في النهاية لأفضل وأكثر المرشحين تأهيلا، ولكن من المهم ألا نغفل الاختلافات العديدة بين الجنسين، وأيضا المساحة التي يتنوع فيها الفكر والنهج من أجل تشجيع الإبداع والابتكار.

ورغم أن البشر ليسوا بحاجة إلى أن يصبح الجميع مهندسين للبرمجة، فإن العالم لا يزال بحاجة إلى الموظفين الذين يمكنهم التعلم والمشاركة وبناء علاقات جيدة مع الزملاء داخل المنظومة وخارجها، بالإضافة إلى حاجته إلى الموظفين الذين يفهمون كيفية التفاعل بين التكنولوجيا والمجتمع من أجل دفع عجلة التقدم بالنسبة لجميع أصحاب المصلحة.

كما أن العالم بحاجة ماسة إلى وجود قادة قادرين على التماشي مع هذا الوضع الجديد، وبالتالي فإن البشر سيحتاجون إلى تعلم طرق جديدة للقيادة؛ وهي كيفية إدارة الموظفين الذين لا تراهم يجلسون أمامك في المكاتب، وكيفية قياس مكان العمل الافتراضي وكيفية الربط بين المهارات المختلفة التي من شأنها أن تؤدي إلى أفضل النتائج.

ووفقا لرأي كلاوس شواب، مؤسس المنتدى الاقتصادي العالمي، “نحن بحاجة إلى قادة أذكياء عاطفيا، وقادرين على تطبيق نموذج العمل التعاوني. نحتاج إلى مدربين أكثر من كونهم قادة. هؤلاء من المفترض أن يقودوا بدافع العاطفة وليس بدافع الغرور. تحتاج الثورة الرقمية إلى البحث عن نوع مختلف من القيادة البشرية”.

الثورة الرابعة

دخلت الجهود العالمية للتعامل مع التحديات الكبيرة التي تطرحها الثورة الصناعية الرابعة مرحلة جديدة، حيث أثمر منتدى دافوس المنعقد هذا العام تحت مسمى “بناء مستقبل مشترك في عالم مفكك”، عن توقيع اتفاق بين الحكومة الإماراتية والمنتدى من أجل إنشاء مركز في الإمارات لقيادة الجهود العالمية لاستشراف المستقبل وتفعيل بروتوكول عالمي لحوكمة القفزات التكنولوجية المتسارعة.

وجاء ذلك بعد توقيع وزير شؤون مجلس الوزراء والمستقبل الإماراتي محمد بن عبدالله القرقاوي وشواب اتفاقية تعاون لإنشاء مركز الثورة الصناعية الرابعة في دولة الإمارات.

وأكد محللون أن الثورة الصناعية الرابعة وخاصة في مجال الذكاء الاصطناعي تعد بتغييرات شاملة في أنماط الحياة على هذا الكوكب، وتثير تحديات وهواجس مقلقة من حدوث صدمات كبيرة تفرض وضع إطار لتنسيق جهود العالم للتعامل معها.

وقال القرقاوي إن تأسيس المركز في الإمارات يعزز ريادتها لجهود استشراف آفاق المستقبل وتطوير الأدوات والحلول لتحدياته، مؤكدا أن ذلك يدعم توجهات الإمارات لإعداد جيل من المتخصصين والخبراء في مجالات الثورة الصناعية الرابعة.

وأضاف أن بروتوكول الثورة الصناعية الرابعة هو آلية عمل عالمية هادفة لخير الإنسان طورتها حكومة الإمارات لتؤسس بيئة بيانات ضخمة متكاملة وآمنة لتحفيز الابتكارات ومواجهة التحديات التي من المتوقع أن يفرضها الانتشار المتسارع لتقنيات وأدوات الثورة التكنولوجية. ودعا شواب قيادات الدول إلى توحيد جهودهم لرسم ملامح مستقبل آمن يخدم البشر أولا ويعزز قدراتهم ويذكرهم دائما بأن جميع الأدوات البشرية صنعت من قبل البشر.

ويجمع العلماء والخبراء على أن الثورة التكنولوجية الجديدة سوف تحدث تغييرات شاملة في جميع مجالات الحياة وفي مقدمتها أسواق العمل والعلوم والطاقة والمجتمع والسياسة والاقتصاد بشكل يفوق تأثير سابقاتها من الثورات الصناعية.

ومن المتوقع أن تؤدي إلى كل التقنيات والابتكارات التكنولوجية المادية والرقمية والحيوية لإنتاج خدمات ومنتجات غير مسبوقة في قطاعات جديدة لخدمة البشرية، مع إمكانية أن تؤدي أيضا إلى تحديات خطيرة إذا لم يتمّ تنظيمها بموجب ضوابط عالمية.

وتهدف اتفاقية حوكمة الثورة الصناعية الرابعة إلى تحقيق تعاون عالمي في إطار بروتوكول يضع قواعد تنظيمية وقانونية لحوكمة البيانات المتعلقة بمختلف قطاعات تلك الثورة التكنولوجية وتطوير أنظمة لتبني أدواتها وتقنياتها.

ويدعم البروتوكول مساعي غرس القيم والأخلاقيات الكفيلة بتعزيز ثقافة أجيال المستقبل في استخدام بيانات وتطبيقات الثورة الصناعية الرابعة ومواجهة التحديات المستقبلية.

كما يضع البروتوكول إطارا عالميا للعمل على إعداد سياسات وتشريعات لحوكمة قطاعات الثورة الصناعية الرابعة وخصوصا البيانات الضخمة.

ويغطي البروتوكول ثلاثة محاور رئيسية هي توفير بيئة متكاملة وآمنة للبيانات وصياغة سياسات وتشريعات للتنظيم والحوكمة، إلى جانب بناء منظومة قيم وأخلاقيات الثورة الصناعية الرابعة.

وسجلت المملكة العربية السعودية حضورها أيضا في المنتدى العالمي ممثلة في الشابة إيمان عبدالشكور، رائدة أعمال في مجال تقنية المعلومات، وباحثة شغوفة بعمل المخ والأعصاب.

ووفقا لمصادر إعلامية، فقد قالت عبدالشكور “شاركت بمنتدى دافوس في جلستين؛ الأولى عن المايكروسوفت والتي ناقشت التكنولوجيا في المستقبل والتوجه نحو الثورة الصناعية الرابعة، والتي تدخل فيها صناعة السيارات ذاتية القيادة وتقنيات الذكاء الاصطناعي، كما تناولت الجلسة بحث كيفية نقل الخبرات التكنولوجية وتهيئة الشباب للدخول في مجال التكنولوجيا الحديثة”، موضحة أن الجلسة الثانية تحدثت فيها عن دور المرأة في العالم وإمكانية تطوير رؤيتها في مجال الأعمال.

وبعيدا عن دافوس كانت هيئة كهرباء ومياه دبي أعلنت مؤخرا عن مشاركتها في الدورة الرابعة من برنامج “مسرعات دبي المستقبل”، الذي تنظمه مؤسسة دبي للمستقبل ابتداء من شهر مارس المقبل، إذ تعمل الهيئة على استحداث حلول لتطوير خدمات الكهرباء والمياه الحالية، باستخدام تقنيات الثورة الصناعية الرابعة، مثل الذكاء الاصطناعي والطائرات دون طيار وتخزين الطاقة والبلوك تشين وإنترنت الأشياء.

صحيفة العرب

شارك:

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *