آدم وحواء 5/8

الرئيسية » الأعمدة » رؤى » آدم وحواء 5/8

 إن الرسول صلى الله عليه وسلم من خلال أفعاله هذه يسعى لأن يعلم صحابته قواعد الآداب واللياقة واللباقة في التعامل مع النساء في المجتمع الإسلامي، كما كان عليه السلام يعمل تليين الطباع الخشنة للرجال في ذلك الزمان.

فمن الواضح من هذا المنطلق أن كل التأويلات التي تعتمد هذه الأحاديث للاحتجاج والاستدلال على أن المرأة جاء خلقها ثانيًا بعد الرجل، وأن مرتبتها بالتالي دون مرتبة الرجل لكونها قد خلقت من ضلعه، لا تسير في اتجاه المعنى الصحيح بل تأخذ منحى يتنافى كلية مع الأحكام الكبرى للنص القرآني وأحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم أيضًا.

إن هذا النوع من الدعاوي والمزاعم يرجع إلى إرث إنساني كبير ظل ينظر بدونية وتنقيص لمكانة المرأة في المجتمع. وهذا الإرث متجذر وراسخ ويبحث دوما لنفسه – ومازال وليس في ثقافة واحدة بعينها بل في ثقافات متعددة ومختلفة- عن أدلة وحجج يبرِّر بها منطق الاضطهاد والإخضاع الذي يريد أن تعيشه المرأة على الدوام.

 ويعتبر الإمام الرازي العالم والمفسر المعروف أن القرآن من خلال بعض الآيات من نحو: “وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ” ﴿ سورة الروم، الآية 21﴾

يؤكد على أن النساء خلقن أصلا لتلبية حاجيات الرجال.يقول إن الآية السابقة الذكر تقوم دليلا “على أن النساء خلقن كخلق الدواب والنبات وغير ذلك من المنافع كما قال تعالى خلق لكم في الأرض وهذا يقتضي أن لا تكون مخلوقة للعبادة والتكليف فتقول خلق النساء من النعم علينا وخلقهن لنا وتكليفهن لإتمام النعمة علينا لتوجيه التكليف نحوهن مثل توجيهه إلينا … وأما المعنى فلأن المرأة ضعيفة الخلق سخيفة فشابهت الصبي”(1).

فإذا كانت المرأة قد خلقت من الرجل ولأجله فهذا يؤكد إذن على دونيتها البنيوية كما يؤكد على ضرورة خضوعها له على الدوام. إن هذا النوع من الأحكام شكل محورًا مطردًا يتكرر باستمرار في الخطاب الديني التقليدي، حيث يخلص في النهاية إلى رسم حدود للإطار الإيديولوجي الذي من خلاله يتم التشريع للمكانة الدونية للمرأة بالاعتماد على هذا النوع من القراءات للنص الكريم.

إنه لمن المؤسف أن نرى إلى أي حد تأثر هؤلاء العلماء تأثرًا سلبيًا بالسياق السوسيو ثقافي وكذا ببعض التقاليد الدينية القديمة، وراحوا يزَكُّون من خلال تفاسيرهم المتعددة كل الأدبيات التي تنتقص من شأن المرأة ومكانتها وتبرر بشتى الوسائل الرأي الذي مفاده أن الإسلام جعل الرجل هو القيِّم على المرأة. ومن هذا المنطلق نفهم السبب الذي جعل الذين يقدمون الأدلة والحجج الدينية التي تشرع لدونية المرأة بالنسبة للرجل، يعلون من شأن هذا النوع من المصادر في تفسير الآيات القرآنية، إلى أن صارت هذه التأويلات والتفسيرات مع مر السنين وكأنها جزء لا يتجرأ من النظام العقدي الديني الإسلامي، بل أصبح القرآن نفسه لا يحتل إلا مرتبة ثانوية بالمقارنة مع هذا النظام الدوغمائي.

(1) الفخر الرازي، مفاتيح الغيب التفسير الكبير، دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع، بيروت لبنان، ط1، 1981 ج25ص 111.

شارك:

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *