آدم وحواء 4/8

الرئيسية » الأعمدة » رؤى » آدم وحواء 4/8

يبدو إذن أن الله خلق الرجل والمرأة في آن واحد ومن مادة واحدة، وهذان المخلوقان سيشكلان المكونين الشقيقين المنبثقين عن نفس الحقيقة. إن هذا القول يتناسب فعلا مع مفهوم ثنائية الخلق التي ترد مرارًا وتكرارًا في النص القرآني: وَمِن كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ ﴿ سورة الذاريات، الآية 49﴾

وبالفعل فإن الرجل والمرأة بوصفهما زوجًا، سيؤكدان على المبدأ الأساس في القرآن وهو أن الخالق واحد بخلاف باقي المخلوقات التي خلقت “أزواجًا”. ولا يمكن أن تتحدث عن “الزوج” دون أن تتحدث عن المساواة من خلال كافة جهات النظر. إن هذه القراءة التجديدية للخلق البشري تبدو أنها الأقرب للرسالة القرآنية التي تعلي من شأن المساواة والإنصاف بين البشر. ونلاحظ أيضا أن كل النصوص التي وردت في القرآن بخصوص الخلق البشري تدور حول مفهوم أكبر هو التوحيد والذي يشكل المادة الأساس للجانب الروحي في الإسلام.

ومع ذلك فإن هناك مجموعة من قدماء المفسرين يستشهدون ببعض الأحاديث التي تتحدث عن المرأة بصفة عامة، وذلك ليفرضوا فهومهم الخاصة على معنى النص القرآني خصوصًا تلك التي تتعلق بقضية الخلق، ومن تم سيستخلصون مفهومهم الخاص والذي تمثل أساسا في التأكيد على أن خلق المرأة جاء بعد خلق الرجل ومن خلاله، وهو ما سيترتب عنه مع الأسف إضفاء الشرعية الدينية على نوع من الأقوال التي تزكي الدونية البنيوية للمرأة.

وفيما يخصُّ الحديث الذي يٌؤخَذُ في هذا السياق دليلا على تأويل الآية القرآنية للخلق والتي سبق ذكرها، يبدو أننا أمام ثلاث روايات تتشابه تقريبًا فيما بينها، وكلها تقول إن الرسول الكريم تحدث عن النساء بوصفهن قد: خلقن من ضلع أعوج وإن أعوج شيء في الضلع أعلاه فإن ذهبت تقيمه كسرته(1).

إن دراسة هذا الحديث النبوي ستبين لنا أن الرسول صلى الله عليه وسلم ذكره في سياق مجموعة كبيرة من الوصايا المرتبطة بالعلاقات التي يجب أن تجمع الرجل والمرأة والتي بمقتضاها كان الرسول صلى الله عليه وسلم يحض الرجال على إكرام زوجاتهم والإحسان إليهن ومعاملتهن برفق. إن التشابه بين هذه الأحاديث وبين ما ذكر عن تاريخ آدم وحواء في تقاليد الإنجيل، هي التي جعلت بعض العلماء يحاولون الربط بين هذين الروايتين (الإسلامية/المسيحية) وبالتالي الذهاب إلى القول إن حواء خلقت من ضلع من ضلوع آدم. ونلاحظ بهذا الخصوص أن هذه الأحاديث لا تذكر آدم لا من قريب ولا من بعيد. وهذا التأويل يوجد باطراد في عدد كبير من مصنفات التفسير في حين وكما رأينا من خلال الفقرات السابقات لا يوجد في القرآن الكريم ما يؤكد هذا الفهم.

ولا يمكن إلا أن نستغرب من هذا التقارب أو التقريب الذي يحاول البعض القيام به بين السنة النبوية الشريفة وبين الأسطورة اليهودية المسيحية. إن الحديث المذكور قاله الرسول صلى الله عليه وسلم في إطار الوعظ والإرشاد الذي ظل عليه الصلاة والسلام يوجهه إلى أصحابه حتى في خطبة حجة الوداع التي أوصى فيها الرجال بحسن معاملة النساء. وفي نهاية الحديث يَأتي الأمر الموجه إلى جميع المؤمنين(2): أوصيكم بالنساء خيرًا. إن لفظ الضلع – وهنا الرسول صلى الله عليه وسلم لا يتكلم عن ضلع آدم- استعمل هنا استعمالا استعاريا، وهو استخدام يتم اللجوء إليه في إطار المجاز اللغوي الذي كان محمودًا ومرغوبًا في سياق الأعراف الكلامية العربية في ذلك الوقت. والغرض الأساس من كل ذلك هو حث الرجال على حسن معاملة النساء واللطف معهن والرفق بهن. وعلى حد ما ذهب إليه بعض المفكرين المسلمين المعاصرين(3) فإن هذه الأحاديث لم ترد عن الرسول صلى الله عليه وسلم في سياق توضيح البعد البيولوجي للخلق البشري، بل كان الغرض الأساس منها هو تغيير التقاليد والممارسات الذكورية السائدة لكن  بمنهجية  قرآنية بيداغوجية وتربوية صرف.

(1)  الحديث رواه أبو هريرة وورد في الصحيحين البخاري ومسلم. أما الروايات المذكورة في هذا الصدد فهناك رواية صحيحة رواها ابن كثير عن الرسول الكريم قال إن المرأة خلقت من ضلع وإن أعوج شيء في الضلع أعلاه فإن ذهبت تقيمه كسرته وإن استمتعت به استمتعت بها وفيها عوج. وروى أبو هريرة عن الرسول أنه قال: من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يؤذي جاره واستوصوا بالنساء خيرا، فإنهن خلقن من ضلع، وإن أعوج شيء في الضلع أعلاه، فإن ذهبت تقيمه كسرته، وأن تركته لم يزل أعوج، فاستوصوا بالنساء خيرا، رواه البخاري بسند صحيح في الجامع الصحيح. وهناك رواية أخرى استوصوا بالنساء، فإن المرأة خلقت من ضلع، وإن أعوج شيء في الضلع أعلاه، فإن ذهبت تقيمه كسرته، وإن تركته لم يزل أعوج، فاستوصوا بالنساء، رواه البخاري بسند صحيح في الجامع الصحيح. وروى الإمام مسلم في المسند الصحيح عن أبي هريرة عن الرسول من كان يؤمن بالله واليوم الآخر، فإذا شهد أمرا فليتكلم بخير أو ليسكت. واستوصوا بالنساء . فإن المرأة خلقت من ضلع. وإن أعوج شيء في الضلع أعلاه. إن ذهبت تقيمه كسرته. وإن تركته لم يزل أعوج. استوصوا بالنساء خيرا.

(2) عَنِ الْمِقْدَامِ بن مَعْدِي كَرِبٍ رَضِيَ الله عَنْهُ، أَنّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَامَ فِي النَّاسِ فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ: “إِنَّ اللَّهَ يُوصِيكُمْ بِالنِّسَاءِ خَيْرًا، إِنَّ اللَّهَ يُوصِيكُمْ بِالنِّسَاءِ خَيْرًا، فَإِنَّهُنَّ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَخَالاتُكُمْ، إِنَّ الرَّجُلَ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ يَتَزَوَّجُ الْمَرْأَةَ وَمَا تُعَلِّقُ يَدَاهَا الْخَيْطَ، فَمَا يَرْغَبُ وَاحِدٌ مِنْهُمَا عَنْ صَاحِبِهِ حَتَّى يَمُوتَا هَرَمًا“. أخرجه الطبرانى وابن عساكر في تاريخ دمشق. (المترجم)

(3) راشد الغنوشي المرأة بين القرآن وواقع المسلمين – Maghreb center for Researches and translations 2000 Londre p15

شارك:

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *