آدم وحواء 3/8

الرئيسية » الأعمدة » رؤى » آدم وحواء 3/8

غير أننا نلاحظ بادئ ذي بدء، أن القرآن لا يذكر حواء بالاسم. وهكذا فإن لفظ زوج أو الصاحبة يختلف باختلاف الآية وسياق معناها، وهكذا فحسب تناسب معنى الآية واتجاه دلالتها يحيل لفظ الزوج مرة على الرجل ومرة على المرأة وأحيانًا كما هو الحال في الآية التي سبق ذكرها، يبقى المعنى مطلقا يجرِّد الجنسين معا.

وبالإضافة إلى ذلك لا يوجد في القرآن الكريم أي كلام واضح الدلالة على أن آدم الذي هو أصل المخلوقات البشرية، كان ذكرًا. كما لا يوجد أي دليل في القرآن على أن حواء خلقت من إحدى ضلوع آدم! وهناك بعض العلماء المسلمين القدماء والمعاصرين أيضًا، يشككون بل ويدحضون هذا النوع من التأويلات والتفسيرات التي تبدو في نظرهم متأثرة أشد ما يكون التأثر بالنصوص والمخطوطات القديمة.

هؤلاء المفكرون يعتبرون أولا أن لفظ آدم استعمل في القرآن كثيرًا في معنى عام وهو الكائن البشري أو النوع البشري. وهذا ما حاول الوقوف عليه الشيخ محمد عبده في مختلف كتاباته حيث يؤيد الفكرة التي تقول إن آدم عندما يذكر في القرآن يقصد به أحيانا الإنسان أو البشر على وجه العموم. ويبدو أن لفظ آدم على حد ما تم ذكره بوضوح في الآية القرآنية يقصد به “البشرية” بمجموعها وهذا ما يدفعنا للقول إنه بخلق آدم خلق الله تعالى الجنس البشري في صورته الأولى التي تجمع بين الذكر والأنثى معًا.

إن هذه القراءة التي نطلق عليها القراءة الإصلاحية لتمييزها عن القراءة القديمة، تتبنى إذن الأصل الواحد للبشر. بعبارة أخرى إنها تُرجع البشرية إلى مادة واحدة وأصل واحد. ودائمًا تبعًا لهذه الرؤية الإصلاحية، فإن الهدف من الآية التي تصف لنا الخلق هو التأكيد على أن المساواة الإنسانية تمت على جميع المستويات. وبخلاف القراءة القديمة فإن لفظ النفس يعني(الإنسان) أو آدم ولفظ الزوج يعني حواء أو المرأة الأولى، ولفظ النفس الواحدة يعني هنا من وجهة نظر هؤلاء الإصلاحيين أن المادة الأولى جعل الله من جنسها زوجا يساويه في الإنسانية، وهذا ما يؤكد على فكرة المساواة الإنسانية الكلية والتامة بمعزل عن أي اعتبارات للنوع أو الجنس. فالبشرية قد تكون خلقت إذن انطلاقًا من هذه المادة الأولى أو الحقيقة الأولى حسب ما يستفاد من التحليل الذي قدمه الإمام محمد عبده والذي من خلال تأويله الفريد هذا، تميز عن باقي المفسرين القدماء.

وبالفعل فإن الإمام محمد عبده(1)  وقف على رأيين يتقاربان حول مفهوم النفس الواحدة: الرأي الأول يعتبر أن المادة الأولى شاملة تحتوي الجنسين معًا الذكر والأنثى. وهذه المادة هي التي ستتطور في المرحلة الثانية لتُعطي الزوجين الذكر والأنثى، وبالتالي كل الرجال وكل النساء. القول الثاني يرى أن القرآن الكريم لا يوجد فيه ما ينفي أو يكذب الفكرة القائلة إن هذه النفس الأولى ترجع في أصلها الأول إلى جوهر نسائي، وما يدعم هذا الرأي هو أن كلمة النفس هي لفظ مؤنث، وأن لفظ الزوج لفظ مذكر، بمعنى أنه يستضمر الصاحب أو البعل، ويؤكد ذلك ما جاء في آيات قرآنية أخرى كقوله تعالى هُوَ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا ﴿ سورة الأعراف، الآية 189﴾.

إن الإمام محمد عبده اعتمد على هذا التحليل ليستدل على أنه هو السبب الذي جعل السورة التي تضم هذه الآية يطلق عليها سورة النساء. وهذا كما ترون نموذج رائع للقراءة النسائية للقرآن.

ويبدو من الواضح – وعلى ضوء ما اعتمده بعض المفسرين المعاصرين وأيضًا دون أن نغفل الجانب الغيبي الذي يميز كل النصوص المقدسة- أن نذهب بعيدا شيئا ما، ودون أي مغامرة فكرية يمكن أن نقول إن النص القرآني تحدث عن الخلق البشري دون أن يحدده بنوع أو جنس، “إن القرآن يستعمل دون تمييز المصطلحات والصور في المؤنث والمذكر، حتى يصف الخلق انطلاقًا من أصل واحد ومن مادة واحدة، ويفهم من عدد كبير من الآيات القرآنية بأن الخلق الأول جعله الله خلقًا لا هو بالذكر ولا هو بالأنثى”(2).

(1)  محمد رشيد رضا، تفسير المنار،دار الكتاب العالمية ج4 ص 265 لبنان 1999

(2)  مقال لرفعت حسن بعنوان: L’égalité entre hommes et femmes; université de Louisville ; Kentucky ; www.études-musulmanes.com

شارك:

التعليق “آدم وحواء 3/8

  1. |خديجة ام اسامة

    الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه، أما بعـد:

    فقد وردت أحاديث كثيرة تبين أن المرأة (حواء عليها السلام) خلقت من ضلع، ومن ذلك ما رواه البخاري ومسلم وغيرهما واللفظ للبخاري، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يؤذ جاره، واستوصوا بالنساء خيراً فإنهن خلقن من ضلع، وإن أعوج شيء في الضلع أعلاه، فإن ذهبت تقيمه كسرته، وإن تركته لم يزل أعوج، فاستوصوا بالنساء خيراً.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *